الجيش الإلكتروني الفلسطيني

جاءت فعاليات النكبة في ذكراها الثالثة والستين، وفعاليات إحياء ذكرى النكسة في عامها الثانية والأربعين والتي جرت داخل فلسطين وعلى حدودها مع سوريا ولبنان بشكل رئيسي، عبر نداءات مباشرة، قام بترتيبها مجموعات الشباب الفلسطيني في الداخل والشتات باستخدام تقنيات الإعلام المتطور التي باتت اليوم سهلة الاستعمال ومتوفرة بيد الجميع دون قيود هنا أو هناك.
 
كما جاءت تلك الفعاليات النوعية والمتميزة، والتي حققت نقلة نوعية في مسار الصراع مع الاحتلال في ظل تنامي الكفاءات العالية والمتعلقة بإدارة واستخدام تقنيات الإعلام الالكتروني ووسائل الاتصال المتطورة بين الفلسطينيين، وخصوصاً منهم فئات الشباب.
 
ففي سوريا ولبنان، كان اللاجئون الفلسطينيون على موعد مع دعوات الشباب الفلسطيني من كل مكان عبر الفايسبوك والبريد الالكتروني التي انطلقت قبل شهرين تقريباً من حلول ذكرى النكبة، في سياق التحضيرات التي جرت من أجل إعادة إحياء قضية حق العودة وإعطاء المناسبة حقها عبر إحداث نقلة نوعية على طريقة إحياءها، وتفعيل مشاركة الشتات الفلسطيني بأوسع إطاراته الممكنة.

 أداة تعبوية وأداة تواصل

وقد لعبت القوى والفصائل الفلسطينية دوراً مهماً إلى جانب حركة الشباب، ودعواتهم التي بثت عبر تقنيات الإعلام المتطور وعلى قوس واسع من مواقع وتواجد الشعب الفلسطيني في كل مكان، وان بدا للبعض (في تصور مُبالغ به) بأن تقنيات الإعلام المتطور مثل الـ (فايسبوك) والـ(تويتر) قد أنهت دور الأحزاب السياسية، وبدت هي المحرضة والموقظة للشعوب من سباتها العميق.

وفي حقيقة الأمر، إن دور تقنيات وسائل الاتصال والتواصل المعاصرة، لاتنفي ضرورة وجود القوى والأحزاب والفصائل على الأرض، ولاتغني في نهاية المطاف عن دور القوى والأحزاب التي يفترض بها أن تقود حركة الناس والشارع، وأن تصيغ برامج العمل المطلوبة وصولاً إلى الأهداف المنشودة للناس.

وفي واقع الأمر، إن تقنيات الإعلام المتطور ومع أهميتها الفائقة، هي في نهاية الأمر أداة إعلانية وتعبوية عالية المردود، وأداة تواصل واتصال تسهم في جانب منها في ارتقاء الوعي وتطوره، حيث بات مستخدمي كثير منها نحو مئة مليون مستخدم، كما بلغ عدد مستخدمي الـ (فايسبوك) وحده البليون مستخدم مع نهاية يوليو الماضي وفق العديد من المصادر.

وعليه، ففي دعوة الشباب الفلسطيني (وبعضهم من المنتمي لبعض القوى والفصائل) تمت خطوة اختراق الحدود من دول الطوق باتجاه فلسطين، بدعوة من أجيال الشباب الفلسطيني الصاعدة، دعوة استلهمت التحولات الجارية في العالم العربي، وتسارع ترديد تلك الدعوة وتوزيعها خلال الشهرين الماضيين، وكان فيها شبان (الجيش الالكتروني الفلسطيني) وعبر الاستثمار الفعال لتقنية (الفيسبوك) ووسائل التواصل المعاصرة وفي كل بقعة يتواجدون فيها على أرض العالم، قلباً واحداً، عملوا من أجل تحقيق خطوة نوعية على صعيد إحياء ذكرى النكبة، وإعادة الاعتبار لحق العودة بعد أن ضاع في دهاليز مفاوضات عبثية ومسدودة الأفق.

من هنا، إن عالم الإعلام اليوم لم يعد كتاباً ولا مكتبة ولا صحيفة ولا مجلة فقط (مع أهمية تلك الوسائط ودورها المتجدد والمستمر وضرورة بقاءها وإدامتها وتطويرها) وإنما شاشة ضوئية رقمية أو تماثلية بأحجام ومسطحات منها الكبيرة ومنها الصغيرة جداً (الزهيدة الثمن والسهلة النقل والتحريك كالهاتف الجوال وتقنيته بالتصوير وإرسال الصورة والكلمة وحتى الصوت)، وهي تخضع بدورها للتطور اليومي المفتوح الأفاق.

إن وسائل الاتِّصال الإلكترونية، نراها، أيضا، في أوعية المعلومات والفكر، فالملايين من الصفحات المطبوعة والصور والخرائط والأفلام والوثائق.. تُخْتَزن الآن في حيِّز متناهٍ في الصِغَر والضآلة. حتى بات من السهولة بمكان تجهيز عدة تقنية كاملة عمادها (جهاز كمبيوتر، واتِّصال بشبكة الإنترنت، وسمَّاعة، وكاميرا، وبرنامج مجَّاني) حتى نتواصل مع العالم كله بالصوت والصورة والكلمة.

ثورة الإعلام الجديد

لقد كسرت ثورة الإعلام الجديد، كل القيود تقريباً، وساعدت على تفجر انتفاضتي شعبي تونس ومصر، منذ اللحظة التي سرب بها موقع (ويكليكس) الالكتروني الرسالة الشهيرة من السفير الأميركي في تونس إلى إدارته ووزارة خارجيته، وفيها وصف الدبلوماسي الأميركي بالتفصيل وبلغة تصويرية ما قال عنه بأنه نوع من (المافيا) التي أقامتها عائلة الرئيس المطاح به، ولا سيما أقرباء زوجته ليلى طرابلسي، فكان في مضمون ومحتوى تلك (الرسالة/الوثيقة) المتسربه ما يكفي لشحذ وتحشيد طاقات الشعب التونسي وفقراءه والغلابى والجياع وسائر المثقفين هناك. حيث تشير بعض المصادر إلى تلك الوثيقة تمت قراءتها من قبل أكثر (170)ألف متصفح تونسي داخل تونس يوم تسريبها.

لقد ترافقت التحركات اليومية للانتفاضتين التونسية والمصرية بالاستثمار العالي وبكفاءة متقنة، لأسلحة الإعلام المتطور، فقد كانت تقنيات الـ (الهاتف النقال) والـ (فيسبوك) والـ (تويتر) والـ (الماسنجر) والـ (يوتوب) و (الشبكات الاجتماعية) حاضرة بقوة في سياق التحركات الشعبية، في التواصل بين الناس، وكسر قيود الرقابة، وفي نقل الصورة من مكان إلى مكان، وفي نقل شرارات الغضب الشعبي التي باتت محمولة على التقنيات المتطورة مباشرة.

وفي الخلاصات والاستنتاجات، نقول، إن فجراً جديداً بدأ مع دخول آلاف الشباب الفلسطيني ميدان التعاطي الفعّال مع وسائل الإعلام والاتصال المتطورة، وهو ما يشير إلى إمكانية تنامي هذا الجيش الفلسطيني خلال المرحلة التالية من الصراع مع الاحتلال.

فالعملية الإعلامية لم تعد بسيطة، ولم تبق كما كانت في أزمان سابقة، فقد دخلت بقوة عصر الثورة التكنولوجية، وطرأ عليها قفزة كبرى في تطور وسائلها وتقنياتها الاتصالية، حتى أمست العملية الإعلامية في مسار نوعي لم تكن البشرية تتوقع الوصول إليه بالسرعة التي تمت، في ثورة مستجدة قال عنها احدهم بأنها حضارة الموجة الثالثة، حضارة ثورة الاتصالات والمعلومات والتغيير المتسارع. ومن هنا تأتي أهمية الثورة الإعلامية في قوة حضورها وتأثيرها في مسار حركة الشعوب ونهوضها الوطني، وفي مسار التغلب على سطوة الطغم والنظم الديكتاتورية التي أحاطت بلادها وشعوبها بسياجات العزل والخنق.

ومع هذا، إن ثورة وسائل الإعلام والاتصال المتطورة، وارتقاءها إلى مستوى متقدم جداً، ونمو الكفاءات الشبابية في هذا الميدان، لايغني عن الشرط الضروري واللازم وهو ضرورة قيام مشروع توافقي بين الجميع في الساحة الفلسطينية، وهو أمر يسهل مع وجود تلك الوسائل فالجيش الالكتروني لا يكفي وحده دون وجود الوعي السياسي والتغييري. فوسائل الاتصال المتطورة وتقنياتها المختلفة تشكل نداء تعبوياً وتسهم بصناعة رأي وموقف، لكنهم لا تصنع وحدها وعياً تغييرياً نوعياً، وبالتالي فهي تتطلب من ناشطيها تواؤما واندماجا مع حركة الناس والشارع، وإلا بقوا نخبة معزولة في برج عاجي مع مرور الزمن.

الجيش الالكتروني الفلسطيني

إن الجيش الالكتروني الفلسطيني، اجتاز أول اختبار له، فحقق نجاحاً مهماً عبر تفعيل وسائل وتقنيات الاتصال بين الناس وترتيب فعاليات النكبة، ومن ثم النزول إلى ارض العمل والميدان في مجدل شمس ومارون الراس وقلنديا وبيت حانون.

وبالمقابل، فان بعضاً من المثالب اعترت عمل هذا الجيش الالكتروني الافتراضي الفلسطيني التي بدأت نواته الأولى بالتشكل منذ فترة، وأول تلك المثالب تمثل في الضخ الإعلامي التحريضي التفريقي الذي يشتت ولا يجمع في الساحة الفلسطينية، والإيغال في خلق الاصطفافات والتصنيفات بين الناس والقوى والأحزاب في الساحة الفلسطينية، والتحريض على بعضها عبر الترويج لمقولات وقصص قد يكون جزء كبير منها غير صحيح على الإطلاق أو مبالغا به إلى أبعد الحدود، وقد ساهم هذا الضخ الإعلامي التحريضي التفتيتي في جانب منه في الفتنة التي وقعت يوم السادس من يوليو 2011 في مخيم اليرموك، والتي كادت تودي بالعشرات من الفلسطينيين أثناء الاعتداء الذي وقع على المقر الإداري والخدماتي التابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة والمسمى بمبنى (الخالصة)، وقد انتهى ذلك الاعتداء بسقوط ستة شهداء ثلاثة منهم من القيادة العامة، ومواطن سوري إضافة لمواطنين فلسطينيين، فضلاً عن احتراق مبنى الخالصة وموجوداته وتجهيزاته (عيادات طبية، مركز تعليم الحاسوب، مركز شبابي، روضة أطفال ...) التي قدرت قيمتها بمليون دولار أميركي.

وعليه، فان أمراً رئيسياً يفترض به أن يحكم وأن يضبط مسار عمل هذا الجيش الافتراضي الالكتروني، عبر ميثاق شرف يمنع التحريض والتفتيت على صفحات الفيسبوك والتراسل والتواصل الاجتماعي المختلفة، ويفتح المجال للنقاش الحر الديمقراطي الذي يحفظ ويصون الناس وحياتهم، ويعمل في الوقت نفسه على تطوير العمل الوطني الفلسطيني من خلال ابتكار أفكار ونشاطات خلاقة ومبدعة كالنشاط الذي حصل على جبهة الجولان في مجدل شمس أثناء إحياء ذكرى النكبة، كما في مارون الراس، وأن ينمي في الوقت نفسه الثقافة الوطنية ويروج لها بعيداً عن الافتراء والتدليس ولغة الأكاذيب والفبركات التي طالما عانت منها الساحتان الإعلاميتان العربية والفلسطينية.

إن الإعلام الحقيقي بتقنياته المتطورة بات الآن سلاحاً فتاكاً، وتنويرياً في الوقت نفسه، كما هو سلاح تعبوي، وتحشيدي، حين يحسن استخدامه وتطويعه، وإلا فان كل ايجابياته قد تصبح سلبيات مدمرة حال أسيء التعامل معه واستثماره بطريقة خاطئة.

 



عاجل

  • {{ n.title }}