خواطر في وفاة محرر الاقصى (١)

تمر في الانسان مواقف تكاد ان تكون اعظم مواقف حياته، تكون هذه المواقف وهذا الجميل فيها في الاغلب فجائية وتأتي بغير ترتيب وكما قلت فهذه هي روعتها وجماليتها، تكون هذه المواقف وتلك اللحظات ذات معان جليلة ودلالات كبيرة قد تؤثر في الانسان مدى الحياة وقد تكون دليلا وآية في آن.

الحقيقة اني في كثير من المواقف وجدت نفسي في خضم احداث لم احلم بها في اجمل أحلامي عدا عن ان اعيشها حقيقة لا حلما ولا خيالا.

في الاسبوع الماضي تلقت فلسطين بل الامة باسرها خبرا مفاده ان احد علماء الامة العظماء، احد المجاهدين المخلصين والدعاة المتقين، احد رجال هذا الزمان الذي عز فيه الرجال، الشيخ حامد البيتاوي الذي هو احد مجددي العصر واحد أئمة الزمان، قد اشتاق الى لقاء قد عمل كل حياته من اجله، الا وهو لقاء ربه سبحانه، اشتاق الى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، اشتاق الى رفاق دربه وإخوان الصفا ممن حملوا معه هم الدعوة والوطن والأمة، الشيخ سعيد بلال والشهيدين الجمالين، فاختار اللقاء الذي طال وفضله على البقاء بين الأهل والأصدقاء، فارتقت روحه الى بارئها محلقة في سماء العز والمجد، ارتقت روحه ولفظ انفاسه الاخيرة في المدينة التي احب وافنى عمره في حبها والدفاع عنها والتحريض على الجهاد في سبيل تحريرها، فالقدس تلك المدينة المقدسة العظيمة كانت على موعد مع ترجل الفارس عن صهوة جواده ، كما شهدت صولاته وجولاته في مقارعة الاحتلال والظلم.

لقد لفظ شيخنا الحبيب انفاسه الاخيرة في سماء القدس الحبيبة، فطهرت الأجواء وشرفت السماء، كانت انفاسه الطاهرة تعلنها كما كان في حياته يزلزل الارض من تحت أقدام الاحتلال، فلطالما كان صوته المجلجل المزلزل يهز أركان الاحتلال، تعلن انفاسه الطاهرة ان القدس مدينة المسلمين وان الاقصى لنا وان هذه الارض لن تكون الا لأصحابها، أعلنها الشيخ وصم آذان الاعداء باعلانه لا يهاب ولا يخشى في الله لومة لائم.

شرفت القدس انها كانت اخر المدن التي رمقها الشيخ بعينيه وشرفت لانها المدينة التي طافها حيا وطوف فيها مسجى على اكتاف احبابه ومريديه.

لقد كان لي الشرف العظيم ان كتب الله لي كرامة المشاركة في تغسيل الجسد الطاهر الذي سجي على مغتسل مستشفى المقاصد في القدس وشرفني الله بذلك ايما شرف، فليس كل انسان يتمكن من ذلك لان العظام لا يرافقهم الا العظام في حياتهم ومماتهم، ولاني لست من العظماء فاني اعتبر تلك الفرصة تشريفا لي وفضلا من الله علي به ليكون شرفا لي ولعائلتي ولاولادي وذريتي من بعدي.

دخلت الى ثلاجة الموتى لنخرج الجثمان المطهر ونضعه على المغتسل، فشعرت بهيبة الشيخ ووقاره وعظمته، منذ تلك اللحظة بدأت اشعر اني لا أتعامل مع جثة لميت، بل مع شخص لا زال على قيد الحياة، وبعد ان وضعنا الشيخ على المغتسل قمت بالكشف عنه. 

وما اروع ما شاهدناه، عندما اقتربت من جسده انبعثت منه رائحة عطرة وكأنها مسك وعنبر، الوجه كالبدر والابتسامة لا تفارق محياه لا تظهر عليه ايمن علامات الموت، فلا جسد متيبس، ولا عينان شاخصتان، ولا فم مفتوح يحتاج الى قوة الأقوياء لإغلاقه، ويكأنه لم يمر بمرحلة النزاع، عندما كنت انظر اليه اشعر انه يسمعنا ويحس بنا ويخاطبنا ويحب ما نقول، كنت اشعر ابتسامته وكأنها تزداد وبدأت ارقب متى سيحدثنا الشيخ، لقد كان جسد الشيخ يانعا، عندما تلامسه يداي يقشعر بدني لأني لا احسه جسدا ميتا، عندما فككت يداه، مددهما على جنبيه بدون عناء، كمن هو نائم، وكانت سبابته اليمنى تتقدم باقي الأصابع، كنا نقلبه كيفما نشاء ويكأنه يساعدنا في تقليبه لنتمكن من إحسان غسله.

بدأ احد الحضور يردد كلمات للشيخ كان يغيظ بها الاعداء فتعالت الابتسامات في المكان وكذا ابتسامة الشيخ شاركت ابتساماتنا، على الرغم من فقدان الشيخ الا ان كل من شاركني الشرف، كاد ان يصل الى قناعة انه لا يتعامل الا مع الشيخ وليس مع جثمانه، فكنت ترى الفرح يعم الأجواء، وكانه حمام عريس ينتظر ان يزف الى عروسه، ولم لا فهو عريس سيزف في القدس للحور العين.

استمر الغسل وكلما نصل الى جزء من جسده يزداد اعجابنا في الشيخ ويزداد يقيننا ان هذا الجسد ليس جسد شخص عادي، فما شاهدناه بأم أعيننا، سمعناه من شيخنا في خطبه ومواعظه عن الشهداء.

اعتدت فيما حضرت من غسل موتى، ان يخرج من الجثة بقايا أوساخ او قل تصفية الجسد وأعضائه، اما شيخنا فلم يخرج منه شيئ، وكما قال المغسل" انه نظيف من عند الله" هذه الكلمات البسيطة من الرجل البسيط تحمل من المعاني والدلالات الكثير وصدق، فمن كانت حياته لله ستره الله وقبض روحه على اجمل صورة وافضل حال.

لقد كان غسل الشيخ اروع واشرف غسل شهدته في حياتي فكله معاني وعبر، ولم اشعر او اصل الى حقيقة الامر وأننا قمنا بغسل جثمانه الا بعدما لففناه بالكفن وجاءت زوجه الكريمة ام حاتم لتودعه، ادركت حينها اني لن ارى الشيخ مرة اخرى لانه اختار جوار ربه فدمعت عيناي وسألت الله ان يجمعني به في الفردوس الاعلى، وكنت قد استغليت قربي من جسده فقبلت رأسه وخديه ويديه، وقبل ان نغلق الكفن جاءني رجل بسيط متوسلاً السماح له ليودع الشيخ، وقال لي انه من الظاهرية وانه يحب الشيخ، ويا للعجب، فمن لا يحب الشيخ ?????



عاجل

  • {{ n.title }}