في ذكرى أوسلو، هل انتهى عمرها الافتراضي؟!

لمى خاطر

كانت صدفة جيدة ومطلوبة أن تتزامن الذكرى التاسعة عشر لتوقيع اتفاقية أوسلو بين حركة فتح والكيان الصهيوني مع الاحتجاجات التي تشهدها الضفة الغربية ضد سياسات الحكومة الحالية، وهي احتجاجات وإن كانت في ظاهرها اقتصادية، إلا أن جوهرها السياسي لم يعد خافيا، ذلك أن الشعارات المطالبة بإسقاط أوسلو ارتفعت منذ أول يوم للاحتجاجات.

فحكومة فياض لم تبتدع سياستها من الفراغ، بل اتكأت على الإرث الأوسلوي بكل عواره، وهي –أي الحكومة- وإن كانت قد تفننت في سياسات (تفليس) الناس وإرهاقهم بالضرائب وزيادة الأسعار، إلا أنها تنهل أولاً وأخيراً من المعين الأوسلوي غير الطاهر، والذي نضب ماؤه الموهوم، لتتجلى الصورة الأصلية له بكل ما فيها من جدب وندوب وانتفاء للمحاسن!

والتطوّر المهم اليوم أن هناك شبه إجماع على أن اتفاقية أوسلو كانت مصلحة إسرائيلية خالصة، وأن القضية لم تجنِ منها سوى الغرق في الأزمات المتلاحقة على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو ما تطلب من قيادة السلطة أن تمتهن التضليل وتدجين الوعي لكي تقلل من تبعات الاتفاقية على صعيد الرأي العام الفلسطيني، وكانت دائماً تحسب أنها تفلح في إرغامه على تقبل فكرة النضال الطويل لأجل دولة ستأتي لا محالة، واستطابة كل ما قُدم من تنازلات فعلية في هذا السياق، لكنها اكتشفت فجأة أن الجمهور كان مدركاً في غالبيته إلى أنه يسير في نفق مظلم، وكل ما في الأمر أن منه من تغاضى سابقاً عن الاستحقاقات الوطنية حين غرته وعود الازدهار والتنمية والرخاء التي وُعد بها على مشارف كل مؤتمر وكل اتفاقية جديدة، ومع قدوم الحكومة الفياضية غير الشرعية، وحين اكتشف حجم الخيبة انتفض مستحضراً في وعيه أنه إنما سكت دونما ثمن من أي نوع، وبالتالي فلا بدّ من محاسبة السلطة بأثر رجعي وهجاء سياساتها ونهجها كله، وهو ما عبّرت عنه هتافات الكثير من المتظاهرين، آخرها مظاهرة رام الله الحاشدة أول أمس، حين هتفت الجماهير: "يا حرية وينك وينك.. نهج السلطة بيني وبينك".

أي أن هذه السلطة المتكئة على إرث أوسلو لم تفقر الشعب وترهقه اقتصادياً وحسب، بل جنت على أولوياته، وأضر نهجها بنضاله ضد الاحتلال، حتى وصل لمرحلة وجد نفسه فيها مكبّلا وخالياً من كل شيء، فلا هو حقق رخاء اقتصاديا، ولا امتلك مقوّمات استمراره في نضاله لأجل حريته، فكان تراكم الاحتقان مولداً لهبة واسعة ترجمت نفسها من خلال الشارع، وما زالت تتفاعل، وبات الحديث عن نهج السلطة وتحليل اتفاقية أوسلو وما تفرّخ عنها حديث الناس الأثير في الضفة الغربية.

ومن هنا جاء التفاؤل بأن هذه الاتفاقية قد بلغت نهايتها، لأنه لم يسبق أن وصلت حالة الإنكار لنهج السلطة؛ السياسي قبل الاقتصادي، هذا المدى لدى مختلف قطاعات الشعب الفلسطيني، لا فئة النخبة فقط، ولا الفصائل المعارضة لنهج السلطة. فوعي المواطن الآن تسلّح بتجربة طويلة مع بفرصة واسعة أخذتها قيادة السلطة لتخرج مشروعها، فكانت النتيجة فشلاً مركباً وأعباء مضاعفة تراكمت على كاهل المواطن، ولا أعتقد أنه بات قابلاً للإيمان مجدداً بأن خيار التسوية والمفاوضات جدير بفرصة أخرى!

ما بني على باطل سينهار دون شك، فما بالنا بمشروع كان منحة غير مسبوقة حظيت بها دولة الاحتلال، ورُزئت بها القضية الفلسطينية، أما متى وكيف سيسدل الستار على تلك المرحلة النشاز، فالأيام وحدها من ستحمل الإجابة، لكنّ المؤشرات باتت تشي بوضوح إلى اقتراب نهاية المسار الأعوج المختل، ليبدأ بعده مسار مستقيم مختلف عنه جملة وتفصيلا!



عاجل

  • {{ n.title }}