ماذا نفعل لو فشلت المقاومة؟

لعل أهم العقد التي تواجه المقاومة اليوم في الضفة الغربية هي "الخوف من الفشل"، فما زالت تجربة انتفاضة الأقصى ونهايتها المأساوية حاضرةً في ذهن غالبية الناس.

وينطبق نفس الكلام عند الكلام عن الثورة في وجه الأنظمة المستبدة التي لا أمل من إصلاحها، فنجابه بالإجابة "لا نريد الثورة حتى لا نصبح مثل سوريا والعراق".

وعند الدخول في نقاش حول "ما العمل؟" يواجهك البعض بأن المقاومة لا تصلح لأنها فشلت، أو الثورة لا تصلح لأنها فشلت، ويأتي لك بأمثلة تدعم وجهة نظره رغم أن هنالك أمثلة أخرى تدعم العكس لكن النقاش بهذه الطريقة خاطئ، لماذا؟

أولًا: لأن الحاجة إلى مقاومة (أو ثورة) لا تقيم بالنجاح أو الفشل، فهي ليست ترفًا حتى تتخلى عنها في حال ارتفعت التكلفة، أنت تقاوم لأن هنالك احتلالًا يسعى لاستئصالك من الأرض، أنت تثور لأن هنالك ظلمًا واقع لا يمكن إزالته بغير القوة.

ما دامت أسباب المقاومة أو الثورة موجودة لا يمكنك أن تتخلى عنها؛ إن كنت مريضًأ فستسعى للعلاج بغض النظر عن كلفته حتى لو فشل العلاج الأول ستبحث عن علاج ثانٍ وثالث حتى تشفى، ليس من المنطقي أن تقول لا أريد الشفاء من المرض لأن العلاج الأول فشل، والاحتلال والأنظمة الظالمة أمراض واستئصالها واجب وليس خيارًا.

ثانيًا: عندما نتكلم عن فشل المقاومة فهل تفشل في كل الظروف والأحوال؟ لو أخذنا انتفاضة الأقصى التي اندلعت في الضفة وغزة، نرى أنها انتهت بشكل متباين: في غزة أدت لانسحاب الاحتلال وتفكيك المستوطنات وتشكيل حاضنة قوية للمقاومة التي وصلت اليوم صواريخها إلى تل ابيب وما بعدها، أما في الضفة الغربية فقد عاد كل شيء إلى نقطة الصفر ودمرت البنية التحتية للمقاومة ونشأ نظام التنسيق الأمني.

مع العلم أن معظم القتلى الصهاينة الذين قتلوا في الانتفاضة كانوا نتيجة العمليات المنطلقة من الضفة، وحتى عدد الشهداء في نهاية الانتفاضة في غزة كانوا أكثر من عدد شهداء الضفة، وهذا يعني أن معيار الفشل والنجاح يصعب تحديده بمؤشرات محدودة، ويجب أن يكون هنالك دراسة شاملة ومعمقة لأسباب الفشل في الضفة والخروج بتوصيات حتى يكتب للمقاومة النجاح.

بالتالي فالقول أننا لا نريد المقاومة لا يستقيم نظرًا لوجود الحاجة الملحة فالتوسع الاستيطاني في الضفة وتغلغل مشاريع التطبيع الاقتصادي وهدم المنازل كلها لا تترك المجال للانتظار حتى تتوفر "الظروف الملائمة" التي يعتقد البعض أنها ستأتي لوحدها مع الزمن، فكلما تركنا المرض دون علاج فسوف يستفحل أكثر ويزداد العلاج تكلفةً وصعوبة، وفي مرحلة متأخرة سيكون العلاج مستحيلًا.

وأيضًا لا يستقيم القول بأن المقاومة مصيرها الفشل لأنه بالفعل كان هنالك نموذج ناجح، لذا إن فشلت في الامتحان لا تقل "لا أريد الشهادة ولا النجاح" بل أبحث عن سبب فشلك وعالجه وستنجح بإذن الله.

أدرك أن الوضع في الضفة الغربية ليس سهلًا على الإطلاق والظروف التي تعيشها المقاومة هي أقرب للمستحيلة، لكن الحل موجود لمن يبحث عنه، ورأينا عملية معقدة مثل عين بوبين كيف نجحت واستطاع المنفذون الانسحاب بسلام حتى هذه اللحظة رغم كل الظروف التي تعمل ضدها.

ربما نجد بعد دراسة أن المقاومة غير قادرة على تحرير الضفة في هذه المرحلة، لكن على الأقل تستطيع وقف التمدد الاستيطاني، فهي قادرة على محاصرة المرض وعدم استفحاله وفي مراحل لاحقة يتم استئصاله، والكلام الجدي عن حلول يحتاج لبحث مستفيض ولا يمكن اختصاره بمقال بسيط، لكن الخطوة الأولى تكمن في التخلص من عقدة "الخوف من الفشل" وترميم ثقة الناس بأنفسهم، والخطوة الثانية تتلخص بتقييم الوضع الميداني ووضع حلول عملية قابلة للتطبيق وقادرة على إحداث تغيير ولو بسيط.



عاجل

  • {{ n.title }}