التيه

لم تشكل الإعادة للانتخابات لدى الاحتلال مفاجأة لمن يتابع واقع الاحتلال فإرهاصات عدم التوافق كانت حتى قبل الإعلان عن الذهاب لانتخابات مبكرة وحل الحكومة الصهيونية. وعلى الرغم من كم الخلافات الكبير القائم ابان الانتخابات الأولى الا ان ما رأيناه وتابعناه لا يشكل 20% من الخلافات المتجذرة والتي تمتد جذورها الى سنوات قيام “دولة” للاحتلال على ارضنا.

صحيح ان المعضلة الأمنية في مواجهة غزة وفشل الاحتلال في عملية حد السيف كان أحد أسباب حل الحكومة الى جانب المشكلة الاقتصادية وتنامي الطبقية الفاحشة بين طبقة تتنعم بمستوى عال جدا بل فاحش من الغنى والرفاهية وطبقات مسحوقة لا تكاد تحظى بالحد الأدنى من حقوق. هذا بالإضافة الى مشكلة الحرديم ورفض التجنيد وكيف ان هذا الموقف بات يزعج الصهاينة كمجتمع ويريدون وضع نهاية لهذا الاختلال في التعامل بين “المواطنين”؛ صحيح ان هذه المشاكل من نوعية المشاكل الثقيلة والتي أدت الى انهيار الحكومة والذهاب لانتخابات الا ان هذه المشكلات لا تعدو كونها تعبيرا عمليا للتأصيل الخاطئ والجبري في المنظومة لدى الاحتلال سواء كان ذلك على الصعيد السياسي ام الاقتصادي وكذلك الديني فأصول المشكلة هي في:

1. المجتمع الصهيوني مبني من مجموعات متفرقة ململة من عدة دول وثقافات وإثنيات وعليه كان لا بد من إيجاد آلية لصهر الجميع في بوتقة واحدة وإنتاج الصهيوني الجديد الذي يعطي الولاء “لإسرائيل” فكان ان أطلقوا على الجيش الصهيوني ببوتقة الصهر حيث يتم التغيير هناك. وما نشهده اليوم يؤكد فشل هذه الآلية وأن المجتمع الصهيوني حتى اللحظة لا زال يتعامل فيما بينه بعنصرية كبيرة وتفرقة عالية.

2. حاول بن غوريون من الأيام الأولى لقيام كيانهم ان يتجاوز هذه المعضلات ولذلك فقد رسّم الأمور وفق اتفاقات مكتوبة منها اتفاق “ستاتوس كفو” والذي حاول وضع توافق ما بين الدين والدولة وهو نفسه الاتفاق الذي أعطى

– الحرديم الحق في عدم الخدمة في الجيش تحت ذريعة خدمة التوراة والتفرغ للدين.

– هو نفسه الاتفاق الذي جعل مسألة الحدود والدستور لهذا الكيان مفتوحة.

– هو ذاته الاتفاق الذي وصف الديمقراطية كنظام حكم ب*ضرورة وجود وليس قيمة في ذاتها* وذلك للتغلب على إشكالية التنوع الكبير لديهم بل وتم التأكيد على أن الديمقراطية نظام يجب أن يُفرض بالقوة فلن يكون: “مجتمعنا قابل للحياة بدونها” كما ذكر بن غوريون.

ان ما يعاني الاحتلال اليوم من فشله في الوصول الى تشكيل حكومة ليس سوى تعبير اخر عن تلك المعضلة الكبيرة وهو اليوم يقف أمام خيارات صعبة وأياً كان ما ستنتهي اليه الأمور بخصوص تشكيل الحكومة سواء كان

• بالذهاب الى انتخابات ثالثة.

• او تشكيل حكومة وحدة.

• او تشكيل حكومة اقلية.

• او أي حل مستحدث.

فان المشكلة ستظل قائمة فحكومة الوحدة او حكومة الأقلية لن يكون عمرهما طويلا، لذلك يجد الاحتلال نفسه اليوم أمام محطة مهمة وفارقة لا بد أن يتخذ خطوات دراماتيكية للعبور الى مرحلة جديدة من شكل “الدولة” وهذه الخطوات لن تكون بأقل من حل اتفاق “ستاتوس كفو” وتغيير النظام السياسي ومنه الانتخابي وإعطاء إجابة لمسألة الحدود والدستور. وهذه الحلول ليست فقط بالمستحيلة بل هي معجزة في ظل تجذر المعضلات التي من أجلها استحدثوا تلك الحلول ومن هنا أرى أن الكيان الصهيوني قد دخل أولى سنوات التيه السياسي والتي لن يستطيع الخروج منها وعلى عكس تيه سيناء الذي انتهى بعودتهم الى ارض الميعاد فان هذا التيه لن ينتهي بهم الا الى دول المنشأ او تحت ثرى هذه الأرض.



عاجل

  • {{ n.title }}