في ذكرى انطلاقة حماس الـ 32 : هذا ما يعلمه العدو عن المقاومة

رأت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" منذ انطلاقتها في ديسمبر عام 1987م أن الصراع مع الاحتلال لا يمكن حله على قاعدة ما يسمى بـ "الحل الوسط"، إذ إن هذا الخيار يعني عدم استعادة الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة.

وأدركت حماس أن صراعًا مع الاحتلال سيطول وسيتطلب تضحيات عظيمة، وإدارته بصورة فاعلة ستحتاج إلى تطوير، واستحداث أدوات وأساليب قوية ومؤثرة عسكريًا وأمنيًا واستخباريًا في سبيل الوصول إلى التحرير وطرد الاحتلال.

وعلى مدار سنيّ عمر الحركة الـ32 التي عاشت خلالها ظروفًا غاية في القسوة والتعقيد، استطاعت إحداث نقلة هائلة في تطوير أدوات الصراع وتكتيكات المواجهة؛ الأمر الذي مكّنها من فرض قواعد جديدة للاشتباك لا يجرؤ قادة العدو على اختراقها؛ ما دفع بأحد قادة الاحتلال أن يقول إن "الوضع الذي تحدد فيه حماس كيف ومتى تنتهي جولات القتال غير مقبول".

وتؤكد حماس في البند السادس والعشرين من وثيقة المبادئ والسياسات العامة أن إدارة المقاومة من حيث التصعيد أو التهدئة، أو من حيث تنوع الوسائل والأساليب، يندرج كلّه ضمن عملية إدارة الصراع، وليس على حساب مبدأ المقاومة.

من الحجر للصاروخ

وفي انتفاضة الحجارة التي تزامن اندلاعها مع انطلاقة حركة حماس عام 1987م سرعان ما طورت الحركة أساليب المواجهة من الحجارة والسكاكين إلى الاشتباك بالنار من نقطة صفر مع جنود الاحتلال.

وبعد سنوات وفي مطلع التسعينيات أدخلت كتائب القسام العمليات الاستشهادية إلى ساحة الصراع، والتي ابتكرها المهندس القسامي الشهيد يحيى عياش وذلك بعدما أمعن الاحتلال في جرائمه ضد أبناء شعبنا.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000م، مثّلت حماس رأس حربة المقاومة المسلحة، وقد تمكن مهندسوها من تحقيق المعجزات عبر صناعة ترسانة عسكرية متنوعة تجاوزت وسائلها ما توقعه الاحتلال ليأتيه ما لم يكن في حسبانه.

ابتكرت كتائب القسام أسلوب حفر الأنفاق لاختراق التحصينات والتسلل خلف خطوط العدو، وتنفيذ عمليات اقتحام للمغتصبات، وتفجير أبراج المراقبة والحواجز العسكرية، والتي كان أبرزها عملية محفوظة وتفجير موقع ترميد.

وكان للصناعات العسكرية القسامية التي تنوعت ما بين الصواريخ والعبوات الناسفة المضادة للدروع والأفراد، وقذائف الهاون، والصواريخ المضادة للدروع والتحصينات، والقنابل اليدوية وغيرها من الأسلحة دور مهم ورئيس في دحر الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة عام 2005م.

وكان لحماس شرف تصنيع أول صاروخ فلسطيني عام 2001م، وقد وصفته وسائل الإعلام الغربية بأنه "الصاروخ البدائي الذي قد يغير وجه الشرق الأوسط".

معركة مكلفة

وضعت حرب الفرقان عام 2009 أوزارها، وعلى الفور استوعبت حماس تجربة الحرب، وشمرت عن ساعد الجد، وبدأت بإعداد العدة للمعركة القادمة، لتتمكن في فترة زمنية قصيرة من بناء منظومة عسكرية متكاملة، وإعداد خطة مواجهة دقيقة.

ارتكزت خطة حماس للمواجهة على إدخال وسائل وأدوات جديدة لساحة الصراع، فقد تمكنت من بناء مئات الأنفاق، وعكفت على تطوير منظومتها الصاروخية، كما استجلبت القذائف الفعالة المضادة للدبابات والطائرات، وأنشأت شبكة اتصالات خاصة، الأمر الذي غيّر قواعد اللعبة ومسار المعركة، وحوّلها إلى معركة مكلفة للاحتلال.

معركة المفاجآت

في الـ 14 من نوفمبر 2012 أشعل العدو فتيل الحرب باغتياله رئيس أركان المقاومة أحمد الجعبري بقصف سيارته في مدينة غزة، وما هي إلا ساعات حتى جاء القرار القسامي بقصف مدينة "تل أبيب" بصاروخ محلي من طراز M75 وذلك لأول مرة في تاريخ الصراع.

وعلى الرغم من قصر مدة المعركة التي استمرت ثمانية أيام فقط إلا أن كتائب القسام فجرت خلالها العديد من المفاجآت العسكرية، أبرزها قصف مدينة "تل أبيب" بصاروخ محلي من طراز M75، كما استهدفت طائرة حربية بصاروخ أرض-جو، إضافة إلى إسقاط طائرة استطلاع واغتنامها في عملية تكنولوجية معقدة، واختراق القناتين الثانية والعاشرة الصهيونيتين، وبث رسائل إلى الجمهور "الإسرائيلي".

وفي خضم المعركة سددت كتائب القسام ضربة نوعية للاحتلال حين استهدفت أحد جيباته العسكرية شرق مخيم البريج بصاروخ موجه من نوع "كورنيت" في أول دخول معلن لهذا السلاح.

انتهت المعركة بتكسير مخططات الاحتلال العسكرية على نصال غزة في ضوء التكتيكات المحسوبة، والإجراءات الدقيقة التي ابتكرتها حماس، وقد أحدثت المعركة تحولات كبرى في طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، ورسخت قواعد اشتباك جديدة.

وسائل وأدوات جديدة

عكفت كتائب القسام على استخلاص الدروس والعبر من معركة حجارة السجيل، وتحويل ذلك إلى سياسات وعقيدة قتالية تدريبية، وأساليب قتال لاتباعها في المعركة القادمة.

وبعد أقل من عامين، وتحديدًا في السابع من يوليو عام 2014م اندلعت شرارة معركة العصف المأكول، وبدتْ القسام في هذه المعركة التي استمرت 51 يومًا أكثر حنكة وأصعب مراسًا.

فجرت القسام بعد 24 ساعة من بدء المعركة أولى مفاجآتها من خلال اقتحام وحدة الكوماندوز البحري القسامية قاعدة زيكيم العسكرية، وأظهر مقطع فيديو لاحق مجاهدي القسام خلال ملاحقتهم إحدى آليات العدو، وإلصاق عبوة ناسفة على جسمها وتفجيرها، كما أظهر براعتهم في الاشتباك والإثخان في صفوف العدو.

وتوالت مفاجآت القسام بعد ذلك عبر تنفيذ أربع عمليات تسلل خلف خطوط العدو بواسطة الأنفاق الأرضية، وكانت تلك العمليات بمثابة مفاجأة للاحتلال الإسرائيلي الذي بات مذهولاً من تطوير كتائب القسام لوسائلها وأساليبها القتالية.

وتعد عملية اقتحام موقع ناحال عوز وموقع أبو مطيبق أبرز تلك العمليات، إذ تمكن المجاهدون في العملية الأولى من قتل 10 جنود واغتنام سلاح أحدهم، فيما تمكنوا في الثانية من تدمير عدد من جيبات العدو، وقتل ستة جنود من مسافة صفر، واغتنام بندقيتين ثم الانسحاب بسلام، بالإضافة إلى تصوير هاتين العمليتين وبثهما للجمهور.

طائرات الأبابيل

لم تتوقف مفاجآت القسام عند عمليات الإنزال، فقد كشفت القسام ولأول مرة في تاريخ الصراع عن تسييرها طائرة من دون طيار من صُنع مهندسيها، وأعلنت الكتائب حينها أنها أنتجت من هذه الطائرات ثلاثة نماذج، هي: "طائرة A1A" ذات مهام استطلاعية، و"طائرة "A1B وهي ذات مهام هجومية- إلقاء، و"طائرة A1C" وهي ذات مهام هجومية- انتحارية.

تطوير المنظومة الصاروخية

وكشفت معركة العصف المأكول عن تطوير كتائب القسام منظومتها الصاروخية، فقد استخدمت الكتائب خلالها ثلاثة أجيال جديدة من الصواريخ محلية الصنع، وهي: (R160 - J80 - S55)؛ وقصفت بإحداها مدينة حيفا المحتلة التي تبعد حوالي 160 كيلومترًا عن قطاع غزة، لتكون بذلك أوفت بوعد الشهيد عبد العزيز الرنتيسي الذي وعد الاحتلال بقصف حيفا وما بعدها، كما كشفت عن تصنيع بندقية قنص من عيار 14.5 ملم ذات مدى قاتل يصل إلى 2 كلم، وأطلقت عليها "الغول" تيمنًا بالقائد القسامي الشهيد عدنان الغول.

حرب الأدمغة

وأمام نجاح المقاومة في تطوير قدراتها العسكرية، سجلت حركة حماس وجناحها العسكري كتائب القسام نجاحًا في ميدان آخر، فيما بات يعرف بـ "حرب الأدمغة"، إذ كشفت القسام في مايو 2018م عن إفشال عناصرها لأكبر منظومة تجسس فنية زرعها الاحتلال الإسرائيلي خلال العقد الأخير في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة.

وفي الحادي عشر من نوفمبر عام 2018م أفشلت كتائب القسام عملية تسلل لقوة صهيونية خاصة شرق خانيونس جنوب قطاع غزة كانت تهدف إلى زراعة منظومة تجسس للتنصت على شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة، واشتبكت معها؛ ما أدى إلى مقتل قائد الوحدة الإسرائيلية، وإصابة آخرين.

وفي صفعة قوية لأجهزة الاحتلال الأمنية نشرت كتائب القسام صورًا ومعلومات تكشف عناصر الوحدة، وصور بعض معدات وأسلحة القوة التي سيطرت عليها، وقالت القسام إنها تمكنت من الوصول إلى مراحل متقدمة في كشف خيوط العملية الخطيرة والتي أطلقت عليها اسم "حد السيف"، كما أكدت أنها امتلكت خلال هذه العملية كنزًا أمنيًا كبيرًا.

ضربة قاسية

العملية الإسرائيلية الفاشلة لم تكن لتمر دون عقاب، فقد تداعت هيئة أركان القسام لدراسة الموقف العملياتي، وصدر قرار الرد من قائد هيئة الأركان محمد الضيف "أبو خالد" بما يوازي حجم الاعتداء.

بدوره رشح ركن العمليات عدة أهداف، وكان أكثرها أفضلية حافلة عسكرية شمال القطاع، وبالتزامن مع استهداف الحافلة بصاروخ موجه من نوع كورنيت أحاله إلى كومة نار بدأت المقاومة بإطلاق رشقات صاروخية على مستوطنات غلاف غزة.

صواريخ من العيار الثقيل

جن جنون العدو من هذه العملية؛ فرد بقصف المنشآت المدنية، وحينها صدر القرار من قائد هيئة الأركان بتوجيه ضربة صاروخية لمنطقة عسقلان ومحيطها باستخدام صواريخ من العيار الثقيل، تسببت بمقتل وإصابة عدد من المغتصبين، وإحداث دمار كبير.

لقد شكلت هذه العملية ضربة قاسية للاحتلال، ودلت على الجهوزية والكفاءة القتاليتين لدى كتائب القسام بمختلف صنوفها وأسلحتها، وقدرتها على ردع الاحتلال، ورد الصاع صاعين في الوقت المناسب وبأفضل كفاءة، وفي مختلف الظروف.

وتبقى الأيام تخفي في طياتها تعاظم أدوات المقاومة وقدراتها بما سيفاجئ الاحتلال ويشكل له في كل مرة الصدمات تلو الصدمات.




عاجل

  • {{ n.title }}