في ذكرى استشهاد أشرف نعالوة

كان من تلك الأيام التي لا تُنسى، لمن عاشته في سجن الدامون، في مثل هذا اليوم قبل عام، 13/12/2018، استشهد أشرف نعالوة، جاء الخبر الذي كنا نتوقع سماعه منذ أكثر من شهرين، وكم كان صعباً خلال تلك المدة أن يجمعنا السجن بأمه التي تنتظر خبراً كهذا!

كان صباحاً دامياً، أشرف، وصالح البرغوثي الذي استشهد قبله بساعات، أيقظتني إستبرق التميمي صباحاً وأبلغتني بالخبر، كنا بين حاجتنا لتمالك أنفسنا، وحيرتنا حول كيفية إبلاغ والدة أشرف بالخبر، وأي مقدمة يلزم قولها لها أولا؟ وبين حنقنا على إدارة السجن التي تعاملت مع الحدث باستهتار، وكان كلّ همها التحذير من (افتعال المشاكل)، فيما اكتفى ضابط مخابرات السجن بالتعليق قائلا: "شو يعني؟ هي أمه ما كانت متوقعة؟".

ثم رأينا أن تذهب بضع أسيرات إلى غرفتها أولاً ويخبرنها الأمر بالتدريج، كانت قد أحست أن هناك أمراً غير عادي مع الجلبة في ساحة السجن، ومجيء ضباط مخابرات السجن في وقت مبكر، لاسيما وأن ساعة الفورة لم تكن قد حانت بعد، ظلّت واقفة على نافذة الباب الحديدي تتساءل عما يجري، وتقول إنها رأت أشرف في حلمها ليلة أمس.

في هذه اللحظة غابت القدرة على قول أي شيء، ظلت أم أشرف تبكي وتتساءل عما حدث بعد أن دخلنا إلى غرفتها: هل اعتقلوا أشرف؟ أخبروني، ماذا حدث؟ لم نستطع إخبارها، كانت كأنها ترجو أن يكون أقصى ما حلّ به هو الاعتقال، لم تكن قادرة على سماع أية كلمة تعينها على الهدوء.. صرخت قائلة: أخبروني.. هل أمسكوه؟ قالت لها بيان أخيراً الجملة التي عجزنا جميعاً عن قولها: "أشرف لم يُعتقل، بل استشهد"..!

لم يكن المشهد التالي قابلاً للوصف، كانت المرة الأولى التي شاهدنا فيها جميعنا أمّاً تتلقى خبر استشهاد ابنها، وهي داخل سجنها، ظلّت في حالة نحيب دائمة، خرجت فجأة إلى الساحة ثم وقعت على الأرض، صرخت بأعلى صوتها: "أخرجوني من هنا، خذوني إلى بيتي لأودع أشرف قبل دفنه، لأتأكد بنفسي أنه مات"، لم تكن تعلم أنهم قد احتجزوا جثمانه، ظلت تبكي وتنتحب، حاولت إحدى الأسيرات مواساتها بالقول: "أشرف لن يدفن اليوم، احتجز اليهود جثمانه، حين تخرجين ستشاهدينه بعد تسليم جثمانه وتدفنينه بيديك"، وما أصعب أن تُواسي أماً مفجوعة بكلام كهذا بعد أن تعجز عن قول سواه، ثم واستها أخرى بخبر عملية الانتقام لأشرف وصالح التي سمعنا بها صباحا، ثم تبين لاحقاً أن منفذها كان عاصم البرغوثي..

لم يكن ممكناً أو معقولاً مطالبتها بالهدوء في تلك اللحظات، فلا بدّ لحزن المرء على أحبته الراحلين أن يستنفذ مداه، أن يُترجم كما يجب، ألا يظل حبيس النفوس، ألا تقيده التنظيرات حول المعاني الكبرى، إذ سيكون ممكناً فيما بعد الحديث حولها، إنما لا بدّ لبشرية الإنسان أن تجد فسحة لتجلياتها في لحظات الحزن أو الفرح الكبرى.. وهل هناك فجيعة تشبه أن تفقد الأم ابنها؟ فكيف وهي في السجن بعيدة عن أهلها وبقية بنيها؟ وكيف وقد اجتمع عليها مع استشهاد الابن اعتقال الزوج والابن، والبيت المهدد بالهدم؟

أما المواساة فلا تكون بليغة الأثر عند الفقد إلا إن صدرت عمن يرتبط بعلاقة دم مع صاحب المصيبة، فلو أن أم أشرف تلقت الخبر وهي وسط بيتها وأبنائها وأهلها لما كان صعباً إلى هذا الحد، لأن الجرح الناجم عن اقتطاع جزء من الفؤاد يُسمى الابن لا يداويه سوى وجود أجزاء أخرى منه إلى جانب الأم، هم بقية أبنائها، ففي وجودهم ورائحتهم وحنوّهم والتفافهم حولها عزاؤها الكبير.

أما الجرح المركب الذي شكّله فقد وبُعد وتشريد، استشهاد وأسر وهدم منزل، فهو سيظلّ ينزّ دماً وقتاً طويلا، وهذا ما كان عليه حال أم أشرف، وما ظلّت تكابده أياماً طويلة بعد استشهاد ابنها وهدم منزلها، واستمرار اعتقال زوجها وابنها البكر (أمجد) وزوج ابنتها..

هذا النوع من المآسي يحتاج طاقة صبر عظيمة، وينتج جراحاً يصعب رتقها سريعا، فالوقت لا يكون دائماً علاجاً أو معيناً على التجاوز، وخاصة إذا كان هذا الوقت يمضي في السجن بعيداً عن كل من احتاج المرء أن يكونوا إلى جانبه عندما مسّه الأذى وأصابت الحراب قلبه. رحم الله أشرف وتقبله، وجعله شفيعاً في أهله، وعجّل لوالدته بالفرج، وهي التي ما تزال حتى هذه اللحظة أسيرة القيد والألم والاشتياق.



عاجل

  • {{ n.title }}