حماس بعد 32 عامًا.. نظرة عامّة على مسيرة الحركة الأهم في الواقع الفلسطيني الجاري

مثّلت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، الإضافة الأهمّ، وحتّى اللحظة، بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة. ومِثْلُ هذا القول لا ينطوي على أيّ قدر من المبالغة، فبعد أن أخذت الحركة الوطنية، بقيادة حركة "فتح"، تحيد عن مبادئها التأسيسية، لم تتمكن أيّ حالة فلسطينية أخرى، من فرض التوازن المطلوب، سوى حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

بدأت "حماس" قويّة وفاعلة، وبما يوازي حركة "فتح"، على الأقل من الناحية الجماهيرية، وناحية الفعل في الميدان، وإذا كانت قد افتقرت إلى ما عليه "فتح" من العلاقات والممكنات الماليّة والماديّة، فذلك، بدهيّ، بالنظر إلى حداثة نشأة الحركة، واحتكار "فتح" لمؤسسات منظمة التحرير، وهو ما أوجب على حماس، أن تفرض وزنها ذاتيًّا في الساحة والميدان، بمعزل عن تأثير "فتح" وهيمنتها، فاستطاعت أن تقود فعاليات خاصّة بها في الانتفاضة الأولى، بالرغم من الحصار الذي حاولت فصائل منظمة التحرير ضربه عليها وإنهائها به، سواء في الساحات أو في السجون، حتّى باتت "حماس" الركن الآخر المهمّ الذي يمنح لك الانتفاضة استمرارها وديمومتها، ويفرض على الجميع التنسيق معها والتعاون، ثم وبناء على ما كشفه الميدان وبيّنه، اشترطت الحركة ما يكافئ وزنها الذي أثبته الميدان للدخول في منظمة التحرير.

وبالرغم من السجالات، التي تبحث في صوابية موقف الحركة في حينه، في عدم الانضمام للقيادة الموحّدة للانتفاضة الأولى، واستقلالها بفعاليّاتها الخاصّة، وشروطها للدخول في المنظمة، فإنّ التجربة أثبتت صوابية هذا الخيار ، فقد حافظت الحركة على استقلالها، وأوجدت مواردها الخاصّة، كما حافظت، وهو الأهم على منطلقاتها، بعيدًا عن سطوة القيادة المتنفّذة في منظمة التحرير، وهي وإذ اختطّت لنفسها مسارها الخاصّ، الناجم عن وعيها بنفسها، وإدراكها لدورها وأهمّيته، والوظيفة الوطنيّة المنوطة بها، فإنّها في الوقت نفسه، كانت تبني على حقائق ترسّخت في الواقع الفلسطيني، بفعل تاريخ الحركة الإسلامية السابق على بلورتها في صيغة المقاومة التي اكتملت في صورة "حماس"، وهو تاريخ من الغرس والبناء والمراكمة، فجاءت "حماس" مكتملة، ناضجة، منذ لحظة ظهورها الأولى.

حينما وقّعت منظمة التحرير اتفاقية "أوسلو"، ودون أيّ نقاش وطنيّ، ثم تأسيس السلطة الفلسطينية، وبالرغم من الحالة الجديدة المفروضة على الفلسطينيين، وما أوجدته من حيرة في التعامل مع الواقع الجديد، فإنّه يمكن القول إنّ "حماس"، وإلي جانبها حركة الجهاد الإسلامي، من حافظ على الخطّ الأصيل في الساحة الفلسطينية، وهو خطّ مركّب، من الخطاب الوطنيّ الذي يحفظ جذور القضيّة وثوابتها وحقّ الشعب في مقاومة الاحتلال وخطورة مشروع التسويّة ومآلاته، ومن الفعل في الميدان، باستمرار العمليات الجهادية، التي كانت تحفر في صخر الملاحقة المزدوجة من الاحتلال والسلطة الفلسطينية.

ولم تكن انتفاضة الأقصى، إلا تصديقًا لصحّة رؤية الحركة ومسارها، فقد انتهى مشروع التسوية بلا أيّ أفق فلسطينيّ، في مفاوضات كامب ديفد، لتفضي هذه الحقيقة إلى إشعال أعظم ملحمة كفاحيّة في تاريخ الشعب الفلسطينيّ، كانت فيها "حماس" طليعة الفاعلين مطلقًا، وإذا كانت قطاعات من حركة "فتح" وأوساط من أجهزة السلطة، قد انضمّت إل تلك الانتفاضة، وهو أمر أرادته "حماس" وسعت إليه، واجتهدت في إيجاده، إذ لا يمكن تحقيق إنجاز نضاليّ دون وحدة على قاعدة مواجهة الاحتلال، ودون تحطيم أوهام مشروع التسوية، فإنّ هذا الانضمام من "فتح"، أكّد من جهة مركزيّة "حماس" ومحوريّتها، ثم أكّد صحّة خيارات الحركة بالتمسك بخطّها المقاوم وانعزالها عن السلطة بعد تأسيسها.

انتهت انتفاضة الأقصى إلى تأسيس قاعدة للمقاومة في قطاع غزّة، وضعف السلطة وأجهزتها، وإذا كانت "حماس" الأكثر فاعلية عسكرية في تلك الانتفاضة، فإنّ الحركة رأت في هذه الحقائق ما يكفي للدخول في السلطة، على أساس منع استخدام هذه البنيّة القائمة، ومنع توظيف شعارات الشرعية وصندوق الانتخابات، للانقلاب على نتائج انتفاضة الأقصى، والعودة مجدّدًا إلى مسارات التسوية، التي يُفترض أنّ انتفاضة الأقصى قد كشفت عبثها وزيفها، ولا شكّ أنّ الحركة، حينئذ استفادت من تمايزها عن السلطة وبالتالي عمّا يلتصق بها من فساد ونهج سلطويّ، ثم استفادت من أدائها الجهاديّ الفذّ، فضلاً عن مكانتها في الشارع، وما يتّصل بها من أدوار متعدّدة في قطاعات العمل المتنوّعة.

فازت "حماس" في الانتخابات التشريعية، عام 2006، بعد فوزها في انتخابات كبريات بلديات الضفّة الغربيّة، ثمّ تعرّضت الحركة لما هو معروف من حصار دوليّ وإقليميّ، ومحاولات إنهاء حثيثة، ورفض عمليّ، لهذا الفوز، من "فتح" وأجهزتها، وهو الأمر الذي بلغ بالتجربة، حدّ الانقسام، ثم الحصار المفروض على غزّة، وقد أثار ذلك العديد من النقاشات بأثر رجعيّ حول سلامة الموقف في الدخول في السلطة، أو في الحسم العسكري، أو حول أداء الحركة الإداري والحكومي في غزّة، بيد أنّ الجميع يتفق على حقائق إيجابيّة تكرّست بهذه التجربة.

أولى هذه الحقائق أن فوز الحركة في الانتخابات التشريعية، منع الذهاب نحو أيّ اتفاق يهدر ما تبقّى من حقّ الفلسطينيين، فقد كانت حركة "فتح" تتهيّأ لاستخدام ما تسمّيه "شرعية صندوق الانتخابات" لتغطية سياساتها المتعدّدة سواء في الصراع مع الاحتلال، أو توثيق تفرّدها في قيادة المشهد الفلسطيني داخليًّا، وهو ما حدّ منه وإلى حدّ كبير فوز "حماس" ثم حسمها العسكري، ولا يقلّ عن ذلك أهمّية بقاء نهج مقاوم، خطابًا وممارسة، في موازاة نهج السلطة، الأمر الذي حافظ على قدر من العافية للقضية الفلسطينية، بالمقارنة لو أنّ نهج السلطة هو الذي تفرّد بالحالة الفلسطينيّة، ويمكننا أن نتخيّل الموقف، مع انهيار مشروع التسويّة، وتحوّل السلطة إلى وكيل وظيفيّ، دون وجود بنية المقاومة في غزّة، ومظاهرها المتعددة عسكريًّا وشعبيًّا، وهي بنية ما كان لها أن توجد لولا تلك الخيارات، وقد انعكست آثارها بقوّة على الضفّة الغربية، ولاسيما بعد حرب "العصف المأكول" عام 2014، فشكّلت رافعة معنويّة لجماهير الضفّة الغربيّة، وأجيالها الجديدة، فتتابعت حلقات الهبّات منذ العام 2014، ومرورًا بهبّة القدس في العام 2015.

لا ينفي ذلك أنّ الحركة تتعرّض لأزمات، متعدّدة ومتفاوتة، عمقًا وقوّة، إلا أنّ بعض ذلك طبيعيّ، كونها حركة مقاومة تواجه عدوًّا مدجّجًا بكلّ أسباب القوّة، ومنظومات متصاعدة إقليميًّا ودوليًّا تخدم هذا العدوّ، وبالتالي لا بدّ وأن تعاني الحركة في مواجهة ذلك، وبعض معاناتها أنتجه وجود سلطة في ظلّ احتلال وقبل إكمال مشروع التحرير ودون أدنى اتفاق وطنيّ، وهي سلطة فرضتها "فتح" على الواقع الفلسطيني، وكان لا بدّ من التعامل معها بشكل أو بآخر، وهو التعامل الذي أفرز إيجابيّاته وسلبيّاته، هذا بالإضافة إلى كون حماس تجربة بشريّة لا تخلو من الخطأ كما لا تخلو من الصواب.

لا يكفي هذا الاستعراض السريع، لتحليل مسار الحركة منذ انطلاقاتها، إلا أنّ ما جرى عرضه، بيّن الأهميّة القصوى للحركة، ودورها البالغ في القضيّة الفلسطينية، حتّى باتت أهمّ الحركات الفلسطينية، في الحدّ من مسار التردّي والانهيار، والحفاظ على ما أمكن من نقاء القضيّة الفلسطينية وأصالتها، وفي المقابل، فإنّ هذا المسيرة الحافلة بالعطاء والفعل، عُبّدت بدماء آلاف الشهداء والجرحى، وأعمار آلاف الأسرى، وعرق الآلاف من الجنود المجهولين، وهي تضحيات تُعظّم من ثقل الأمانة على أكتاف قادة الحركة وكوادرها، وتجعل الضرورة قائمة باستمرار لنقاشات أوسع حول سياسات الحركة وخياراتها، للحفاظ على أرث هؤلاء أصحاب الفضل الأول، ثم للحفاظ على دور الحركة ومنزلتها.




عاجل

  • {{ n.title }}