من المؤسف أن نرى المسلم يبحث عن باب لتجويز المعايدة

من المؤسف أن نرى المسلم يبحث عن بابٍ لتجويز المعايدة والمشاركة في المظاهر الاحتفالية تحت ذرائع الانفتاح على الآخر والتقارب والتحابب أو جعل الأمر يبدو قيمة تسويقية وتجارية لا تعدو كونه عيدًا للفرح والبهجة والسرور، ويذهب البعض لتبرير ذلك بما فعلته العلمنة من خلط وتذويب لأعياد بأخرى، فصار العيدُ يبدو مجردًا من قيمته العقدية والشعائرية ليصير مجرد مناسبة للمتعة والاتجار وإقرارًا لمعاني السلمِ والتحاب والألفة والوئام.

فإن فعلتْ ذلك كلُّ الأديانِ والمعتقدات فمن الخطأ الصريح أن ينتقل المسلمون لهذا المربع، لأن الإسلام أرسى قواعده وأسسه، وحدد سبل العلاقات بغير المسلمين وجعلها محدودة بإطاري البر والقسط، كما تفرَّد بشعائرية إسلامية تختص بالمسلمين، إقرارًا لحاجة الإنسان للبهجة والسرور وترسيخًا للقيمة العقدية لتلك الأعياد، وتوكيدًا على معنى التجرُّد في الدين الإسلامي وفصل الهوية الإسلامية عن الضياع والذوبان فيميزَ المسلم عن غير المسلم، ليكون الدين الإسلامي نظام حياة متكامل للمسلمين يراعي كافة مناحي حياتهم.

{ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}

بالرغم ما للبُدْنِ والهدي منْ قيمة تسويقية تجارية فكرمها الله بأنْ جعلها منْ أعلام دينه ونسبها لذاته وكرمها بالتعظيم، حتى صارتْ منْ تقوى القلوب، وهذا يفضي إلى فهم فحوى الشعائر وأبعادها، فهي جزء أصيل من العقيدة وإن كانت في حقيقتها لحومًا وقربانًا، فالأعياد تشكل هوية الفرد وانتماءَه وإخضاعها للعلمنة والعولمة قيمةً تسويقيةً هو مخالفة للقيمة والمكانة التي حباها الله إياها، كما أن قبول المسلم لفكرة التسويق وعلمنة الأعياد قبول غير لائق لأنه لا يقبله في دينه، فلا يقبله في دين غيره ولا يرتضيه لنفسه، لأن المبدأ واحد.

إن النظر للأعياد على أنها باتت تحمل طابعا استهلاكيا، يذكرني كثيرا بعبادة الأصنام يصنعها أحدهم مما يأكله ثم إذا جاع أكل ما صنعه، فقد حوله من قيمته العقدية إلى قيمة استهلاكية ولكن ذلك لم يلغِ أبدًا أنها كانت شركًا بكل أحوالها، والعيدُ يبقى عيدًا لما نُسبَ إليه وإلى مصدره الذي جاء به، فمهما كانت نوايانا صادقة في عقيدتها غير مخالفة لاعتقاد الربوبية والألوهية تبقى المشكلة كامنة في تلك الأعياد وحقيقة ما تدعو إليه في أصلها:

{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ }

فالأشياءُ تردُّ إلى أصولها ومنابعها لفهم ماهيتها وحقيقتها فلا يمكنُ إهمالُها وتجاوزُها والترخُّصُ بعيدًا عن إدراك الفحوى والمآلات حتى لا تضيع الهوية ولا يضعف الجذر ويبقى المسلمُ مسلمًا دون خلطٍ وتضييع وإذابة.



عاجل

  • {{ n.title }}