الأسرى.. إبداع يتحدى السجان

لا شك أن السجن حالة شعورية خاصة يصعب العيش فيها في خارج القيد ..امتزاج الألم بالحنين ..والشوق بالصبر والاحتساب يولد لدى الكاتب او الشاعر ملكة اضافية بعيدا عن التكلف المقصود في عموم الكتابات العادية، في السجن ساحة للعلم والفكر رغم محاولة السجان منع التطور ، على الرغم من القمع الاحتلالى، تعددت أشكال الأنشطة الثقافية والتعليمية اليومية سواء على المستوى الجماعى او الفردى داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية وأنتج الأسرى وسائلهم الخاصة لتبقى هذه المعتقلات مفعمة بالحياة الثقافية المناهضة للاحتلال ، لقد رفد الأسرى الفلسطينيون الأدب الفلسطيني بدوافع الإبداع وروافد التميّز ، لقد اكتسب ادب السجون خصوصية الثورة وعنف المقاومة ، ورقة العشاق وطهارة الانتماء ، ولكن الأدب الأسير لم يأخذ حقه في البحث والأضواء رغم أن السجن ظلّ من أهم روافد الإبداع والتطور الفكري والثقافي والأدبي .


السجن بقدر ما فيه من هم وقهر الا انه ما من شر محض فهو يعطي المرء فرصة مميزة لمراجعة النفس واعادة الحسابات على كل المستويات وفي كافة القضايا .ويجد الانسان رغبة في نفسه للتعبير عن افكاره وخواطره .. وقد يكتشف لديه قدرات كانت مخباة حتى عنه شخصيا ولعل كثرة الانشغال في الحياة وعدم اخذ المر فرصة مناسبة تجعله لا ينتبه الى هذه القدرات لكن السجن يضغط على الاسير كي يستخرج منه كل ما يملك وما يخفي وما يخفى عليه والظروف تجبره على ذلك احيانا.


( أدب السجون هو الأدب الانساني النضالي الذي ولد في عتمة وظلام الأقبية والزنازين وخلف القضبان الحديدية ، وخرج من رحم الوجع اليومي والمعاناة النفسية والقهر الذاتي ، والمعبّر عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير وتوقه لنور الحرية وخيوط الشمس ) يقول الدكتور / عبد الخالق محمد العف : (طبيعة الحياة الثقافية في المعتقلات الإسرائيلية ، فقد استمد الإسرائيليون قمعهم الثقافي وسياسة التجهيل والتنكيل من استراتيجية ” العمل على إلغاء الهوية الفلسطينية ، وتشتيت الشعب الفلسطيني ، وتحويله إلى مجرد أفراد يبحثون عن لقمة العيش .


الأسرى لديهم عزيمة تتحطم عليها جميع إجراءات السجون القاسية. فالأسير الفلسطيني هو الأسير الوحيد في العالم الذي يحول سجنه إلى جامعة ومحطة للتزوّد بالعلم، بالرغم من صدور أحكام بالسجن الفعلي مئات السنوات بحقه. فهناك أسرى محكوم عليهم بالسجن المؤبد.


فعلى سبيل المثال لا الحصر، أكثر من عشرين مؤبدا، وكل مؤبد 100 عام، أي إنَّ مجموع حكمه يساوي قرابة الألفي عام، ومع ذلك تراه يدرس ويحصل على الشهادة غير آبه بالمؤبدات التي صدرت بحقه. وهذا يؤكّد أنَّ الأسير الفلسطيني له خصوصية تمتاز بقوة الإرادة والتحدي والصبر وصناعة النجاح رغم الجراح. وقد ارتقى الأسرى في سلم تحسين أوضاعهم المعيشية والإنسانية ، عبر مراحل نضالية طويلة ، فقد ظلت الحركة الوطنية الأسيرة ، تناضل أكثر من عشر سنوات لتستطيع أن تحقق انجاز امتلاك القلم والورقة .


لقد كان على الأسير أن يتضور جوعاً ، بل ويموت من أجل أن يحصل على قلم أو كتاب ، وأن يرتقى بمستواه الثقافي ، ليعيش بالتالي مراحل قضية شعبه ووطنه ، ويسهم بإيجابية في تحقيق الأهداف الفلسطينية المنشودة .


إن المشهد الثقافى داخل سجون الاحتلال من أهم معالم “الحياة الاعتقالية التى صاغتها الحركة الأسيرة منذ نشأتها قبل عقود وحتى يومنا هذا”، مضيفا “برزت حاجة الأسرى إلى بلورة أشكال خاصة بالممارسة الثقافية اليومية منذ بدايات نشوء الحركة الأسيرة فسارعوا إلى تشكيل النواة الأولى لحراك ثقافى واسع.


وتطرق الكاتب للمجلات والنشرات التى تعبر عن الرؤى السياسية والفكرية لمختلف التنظيمات الفلسطينية ومنها مجلات “الثورة” و”العاصفة” و”الشرارة” و”الطريق” و”الهدف” وكلها كانت توزع باليد وبشكل سرى داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية.


المعاناة تولّد الإبداع ، لأن الإبداع لا ينتج عن شخص عادي يعيش في ظروف عادية ، وإلا أنتج أدباً عادياً ، أما الإبداع فإنه ثمرة مميزة يصدر عن شخص مميز يحيا ظروفاً خاصة غالباً ما تكون معاناة وقهراً أو إحساساً بالظلم ، إن عملية الإبداع في الواقع ، هي تعبير عقلي قائم على مضمون وأحاسيس ، يرتفع بهم إلى الروحانية والإبداع الفني ، وهو أيضاً صناعة إنسانية ، تقدم للبشرية مادة جمالية بغرض إسعادها ، ومن ناحية أخرى فالفنون هي المثقف الأول للشعوب على آفاقها العريضة ، لأنها ليست موجهة إلى فئة صغيرة من الصفوة خاصة ، إذا كانت تقدم مضموناً واضحاً بعمق وبساطة .


عمل السجان على قمع الأسرى ، ومارس تعذيبه وقهره ، ولجأ إلى منعهم من أبسط الحقوق الإنسانية مثل الحق في القراءة عبر منع إدخال الكتب ، ومنعهم من حق الكتابة ، فلم يسمح بإدخال الأقلام والأوراق في الزنازين ، وكان إضراب عسقلان في5/7/1970م ، ناجحاً في كسر بعض القيود الثقافية ، إذ تم فيه السماح بإدخال الكتب الثقافية المختلفة ، عن طريق الصليب الأحمر ، بعد ورودها على الرقابة ، وموافقة الجهات الأمنية عليها ، و لقد كان الأسرى يهربون كتاباتهم ، ويحمونها من مداهمات السجانين ، حتى يأتي الوقت الذي يستطيعون فيه أن يخرجوها من أسرها ، كما ان العديد من المثقفين ، أخذوا على عاتقهم البدء بمحاولة التغيير التنظيمي ، والثقافي ، فبدأوا بعقد الجلسات الثقافية ، وإلقاء المحاضرات الخاصة بالصراع الفلسطيني الصهيوني .



عاجل

  • {{ n.title }}