أزمة كورونا تبرز مسؤولية الاحتلال القانونية إزاء الحقوق الصحية للفلسطينيين

تعيد أزمة جائحة فيروس كورونا المتفشي عالميا إلى الواجهة مسؤوليات الاحتلال الإسرائيلي إزاء الحقوق الصحية للفلسطينيين في ظل ما يشكله الوباء من خطر جسيم.

ويصنف القانون الدولي "إسرائيل" كقوة احتلال للأراضي الفلسطينية، ويحتم عليها تلبية الاحتياجات الصحية للأفراد، باعتبار أن الحق في الصحة من حقوق الإنسان الأساسية، ويحق لكل إنسان أن يتمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه ويفضي إلى العيش بكرامة، وهو ما يتطلب تهيئة الظروف المناسبة التي تتيح لكل فرد إمكانية التمتع بأكبر مستوى ممكن من الصحة. 

ولا يعني الحق في الصحة توفير خدمات الرعاية الصحية فقط، بل يتعدى إلى توفير محددات الصحة الدفينة، مثل المياه النقية والصالحة للشرب ووسائل الإصحاح الملائمة وإمدادات كافية من الأغذية والمساكن الآمنة وظروف مهنية وبيئية صحية وتوفير وسائل التثقيف الصحي والمعلومات الصحية المناسبة.

ويقول الحقوقي شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق إن القانون الدولي واتفاقية لاهاي تنص على واجب القوة المحتلة بتوفير اللقاحات الضرورية والأدوية اللازمة لمواجهة الأمراض، وضمان حرية الحركة للطواقم الطبية، وتمكين المرضى من الوصول للمراكز الصحية.

وفيما يتفشى فيروس كورونا حاصدا مئات آلاف الوفيات والإصابات حول العالم، فإن الضغوط تتصاعد على "إسرائيل" بشأن الوفاء بالتزاماتها تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى رأس ذلك اتفاقية جنيف الرابعة.

ونصت المواد 47-78 من الاتفاقية الدولية على فرض التزامات كبيرة على قوى الاحتلال. فضلا عن العديد من الأحكام من أجل الرفاهية العامة لسكان الأراضي المحتلة بما في ذلك عدم إعاقة أي تدابير تفضيلية فيما يتعلق بالغذاء والرعاية الطبية والحماية من آثار الحرب.

وأكدت المادة 56 من الاتفاقية أنه على دولة الاحتلال واجب ضمان ورعاية التزاماتها بالصحة في الاراضي المحتلة بالتعاون مع السلطات الوطنية والمحلية والمؤسسات والمستشفيات مع الإشارة بوجه خاص إلى اعتماد وتطبيق التدابير الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة.

وإذا تم تعيين مستشفيات جديدة في الأراضي المحتلة وإذا كانت الأجهزة المختصة في الدولة المحتلة لا تعمل، فإنه يتعين على السلطات القائمة بالاحتلال إذا لزم الأمر منحهم الاعتراف المنصوص عليه في المادة 18 وفي ظروف مماثلة تقوم سلطات الاحتلال أيضا بمنح الاعتراف لموظفي المستشفيات ومركبات النقل بموجب أحكام المادتين 20 و21.

وفي تبني إجراءات الصحة والنظافة وفي تنفيذها كذلك، يجب على دولة الاحتلال أن تأخذ في الاعتبار الأمور المعنوية والأدبية لسكان الأراضي المحتلة.

وتنطبق مختلف أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المعنية بحماية المدنيين وقواعد لاهاي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتفرض على "إسرائيل" العديد من الالتزامات وبينها ضمان كفاية معايير النظافة الصحية والصحة العامة.

ويقول جبارين إن الاحتلال مسؤول عن توفير الرعاية الصحية للأسرى في سجونه، متهما الاحتلال بالتمييز العنصري عبر تشجيع الفلسطينيين على "العمل الأسود" دون توفير أي إجراءات لحمايتهم من فيروس كورونا حسب المعايير الصحية السليمة بالتزامن مع الطلب من الإسرائيليين البقاء في المنازل مما يشكل تهديداً لصحتهم.

وأعادت الأمم المتحدة في خضم انشغال العالم بمواجهة تفشي فايروس كورونا، التأكيد أن "دولة الاحتلال الإسرائيلي تتحمل المسؤولية القانونية، عن استفادة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من الخدمات الصحية الأساسية"، في ظل انتشار الفيروس.

وصرح مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة مايكل لينك بأن "الحكومة الإسرائيلية تتحمل في المقدمة، المسؤولية الدولية حول تقديم الخدمات الصحية المناسبة للسكان في كافة الأراضي الفلسطينية".

وسبق أن رصدت عشرات التقارير الدولية انتهاك الاحتلال لكل القوانين بالامتناع عن تقديم الخدمات الصحية الضرورية للمواطنين الفلسطينيين، بل ومنع السلطة الفلسطينية من تقدم خدمات صحية مناسبة.

وحدت القيود الإسرائيلية من فاعلية النظام الصحي في الأراضي المحتلة، والتي تصاعدات على مدار السنوات، من إقامة الحواجز والجدار العازل والحصار، إلى مهاجمة المشافي والعيادات الطبية، ومنع تزويدها بالأجهزة والمعدات الطبية، ومنع تنقل المرضى.

وأُنشئ النظام الصحي النافذ حاليًا في الأرض الفلسطينية المحتلة في 1994 كجزء من اتفاقات أوسلو، وهو قطاع مشتت يضم وزارة الصحة الفلسطينية ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ومنظمات أهلية، وشركات خاصة.

وتتباين نوعية الخدمات الصحية بحسب قدرة المرفق الصحي على الحصول على الموارد واستدامة إمداداته من الماء والكهرباء، فيما ظل نظام الرعاية الصحية الفلسطيني يتسم منذ عقود بانعدام المساواة في الحصول على الخدمات الصحية، وهي مشكلة تفاقمها معوقات مالية وأخرى تحُول دون حصول الفلسطينيين على الرعاية الصحية ومنها التغطية التأمينية غير المتساوية والفصل الجغرافي، وفق تقارير حقوقية.

وعلى مدار سنوات، تحدى الفلسطينيون الانتهاكات الإسرائيلية، في سبيل تطوير الخدمات الصحية، لكنها ظلت أضعف من أن تحتمل الاستنزاف المتواصل بسبب آلة القتل الإسرائيلية، فضلا عن مواجهة جائحة كبيرة عجزت أمامها دول مستقلة.

ومع ذلك، فإن الفساد إلى جانب الاحتلال، ساهم أيضا في ضعف الخدمات الصحية المقدمة للفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي.

ويعتقد 80% من الفلسطينيين في الأرض المحتلة أن مؤسسات السلطة الفلسطينية فاسدة، بحسب دراسة مسحية أُجريت عام 2019. وصرح المستطلعون بأنهم تعرضوا للابتزاز أو الضغط لدفع الرشوة للحصول على الخدمات الاجتماعية وبينها الخدمات الصحية.

ويلاحظ أن القطاع الأمني في السلطة يستأثر بما نسبته 30 إلى 35% من الموازنة السنوية، مقابل 9% لقطاع الصحة، وفق الأرقام المعلنة، والتي يعتقد أنها غير دقيقة، حيث يستأثر الأمن بحصة أكبر من موارد السلطة المباشرة وغير المباشرة.

وحتى حين قلَّصت الولايات المتحدة مساعداتها بدرجة كبيرة، وأضرت بقدرة ملايين الفلسطينيين على الحصول على الرعاية الطبية والتعليم والغذاء، كان المسؤولون الإسرائيليون والأمريكيون حريصون على المحافظة على بند الأمن في حزمة المعونة دون غيره، فما بدأ كترتيب "الأمن أولًا" تحول إلى استراتيجية "الأمن فقط".

وفي ظل خطر تفشي فيروس كورونا، برزت الدعوات لتحويل تركيز السلطة الفلسطينية من تمويل الأمن إلى تمويل الصحة عبر تخصيص موارد أكثر للرعاية الصحية وضمان أولوية فاعلية المرافق الطبية القائمة والعمل على توسيعها.

ويرى الفلسطينيون أن غياب الرقابة التشريعية وضعف الرقابة القضائية، وتغول السلطة على الإعلام، لا يساعد في القضاء على الفساد الذي ساعد الاحتلال في إضعاف حصولهم على أبسط مقومات الحق في الرعاية الصحية.

ورغم المطالبات السابقة، إلا أن الارتقاء بالصحة الفلسطينية وإمكانية الحصول على الرعاية الصحية لن يكون ممكنًا إلا من خلال معالجة الأوجه الأساسية لعدم المساواة والعنف اليومي الذي يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي.

ويلفت جبارين النظر إلى أن على الأطراف المتعاقدة على القانون الدولي مسؤولة إجبار الاحتلال على احترام وتنفيذ بنود القانون.



عاجل

  • {{ n.title }}