المجاهد"أبو عاصف البرغوثي".. رجل قلّ نظيره

في نهايات عام 1988، وبعد خروج الشيخ "فضل صالح" -حفظه الله ورعاه- من السجن، بعد ان قضى حكما اداريا لمدة ست شهور في سجن النقب،ذهبت الى بيته مهنئا، وكانت وقتها الانتفاضة الأولى في أوجها، وتحدثنا وقتها عن واقع السجن، ومما قاله لي وقتها، ولا زلت أذكره :(لو لم يكن لي من فائدة في هذا السجن ،سوى أني تعرفت على رجل إسمه عمر البرغوثي"ابو عاصف "لكفى-.

يومها لم يكن "أبو عاصف" يحمل التوجه الإسلامي، وكان من مناصري جماعة المنشق على فتح والتي سميت ب"جماعة أبو موسى"، ولم يكن وقتها يصلي-.

وأضاف (الشيخ فضل): "إن هذا الرجل، فيه كل صفات الرجولة، من شهامة وشجاعة وتضحية وإباء وكرم ووطنية صادقة ومخلصة، وإن كل هذه الصفات ستقوده-بإذن الله- الى الالتزام بالخط الإسلامي،كفكر وممارسة،وسيكون لهذا الرجل شأن كبير.

مرت الأيام بعد ذلك وكنت متشوقا للتعرف على هذا الرجل عن قرب ومصادقته، وشاءت الأقدار أن اتعرف عليه لأول مرة في سجن الخليل عام 1992م، وبالرغم من أن المدة التي قضيتها معه لم تتعدى شهرا واحدا، إلا أنني أحببته، وحصلت بييننا صداقة قوية، كأننا نعرف بعضنا منذ سنوات، ووجدت كل الصفات التي ذكرها الشيخ "فضل" في هذا الرجل وأكثر.

وكان أكثر ما يميزه روحه الممتلئة بالعنفوان والعزة والاستعداد للتضحية والمعنويات العالية والمستبشرة بغدٍ أفضل للشعب الفلسطيني وللأمة.

ثم التقيته خارج السجن بعد ذلك مرة أو مرتين، بسبب قضائه معظم وقته في السجن، ثم شاءت الأقدار والتقيته في سجن النقب عام 2008م لأشهر معدودة، وبالرغم من التطورات السلبية التي حصلت على واقع القضية،وبالرغم من مرور 16 عام على لقائي به في سجن الخليل، فاني وجدت الرجل هو.. هو.. لم يتغير كما تغير غيره، ولم يبدل جلده كما بدله غيره.

ولا ابالغ ان قلت إن همته قد ازادت، وأن عنفوانه ومعنوياته قد ارتفعت، وأن ثقته بالغد المشرق للشعب والأمة لم يصبها أي عطب!

ومنذ ذلك الوقت إلى الآن لم يذق هذا الرجل طعم الراحة، أو الفرحة، فوالداه-رحمهما الله- توفيا وهو في السجن ، وهو يعيش من اعتقال إلى آخر، حتى فرحته بتحرر رفيق دربه في المقاومة، وشقيقه الوحيد "نائل" الذي مكث أكثر من ثلاث وثلاثين عاما في الأسر قبل تحرره الأول،لم تدم طويلا.

فالاحتلال البغيض أعاد اعتقال شقيقه بعد تحرره في صفقة "وفاء الاحرار" مرة اخرى ليقضى الان اكثر من اربعين عاما في الأسر، والتي لم يقضها أسيرٌ قبله في العالم أجمع.

وأثناء هذا الفترة استشهد ابنه"صالح"، واعتقلت زوجته وابنيه "عاصف" و"محمد" وهدم بيته وبيت ابنه "عاصم"، الذي ينتظر اليوم حكما بالمؤبد بعد ان نفذ عملية بطولية انتقاما لاستشهاد اخيه!

بالأمس مرت علينا ذكرى "يوم الارض" وأراد "أبو عاصف" من خلال الصورة التذكارية التي التقطها لنفسه ان يرسل رسالة لشعبه عبر رمزيات احتوتها هذه الصورة ،فالصورة أخذت وهو في أرضه، كناية عن حبه لهذه الأرض وعشقه لها، ويحمل في يمينه حجر كناية عن روح المقاومة والتحدي والإصرار والثبات على طريق المقاومة والجهاد، ويرفع شعار "رابعة" كناية عن رفض الظلم ومقاومة الظالمين.

فشعب فلسطين والشعوب العربية مرتبطان ارتباطا وثيقا في مصيرهما، فهذا الظلم الجاثم على صدر الائمة من قبل الحكام القتلة الجواسيس هو سبب أساسي في تأخر النصر على المحتل الغاشم، وعندما تنتصر فلسطين على جلاديها فإنه لا وجود لهؤلاء الطواغيت، لأنهم سيفقدون مبرر وجودهم ،وهذا ما كان يتحدث به دائما "ابو عاصف"، وهذه هي الحقيقة.

كما أن احتضانه لخيرات الأرض في شماله دعوة لابناء شعبه للعودة إلى الأرض،وإصلاحها،والاعتماد على خيراتها وفلاحتها !

إن "أبا عاصف" وأسرته، نموذجٌ مميزٌ، في الحالة الفلسطينية قلَّ أن تجد لها مثيلا.. عائلة تستحق الإعزاز، والإكبار، والتقدير، والاحترام، والاقتداء بها.

اليوم.. المجاهد"أبوعاصف" رائد هذه العائلة البطلة ،وابنه "محمد" في قبضة الاحتلال من جديد، حيث تم اعتقالهم وزجهم في سجونه الظالمة!

اللهم احفظ"ابو عاصف" واحفظ عائلته، وفك أسره وأسر إخوانه جميعا، وابعد عنهم كل أذىً وسوء !



عاجل

  • {{ n.title }}