الإمارات ومسار المواجهة الذي لا بد منه

هيئة التحرير

تعيش القضية الفلسطينية مرحلة مفصلية لا تقل خطورة عن سابقاتها التي مرت بها، سواء بالتهجير من الأرض أو فرض الاحتلال على كامل فلسطين، أو اتفاق السلام والاعتراف بالاحتلال فوق الأرض، وصولا للمرحلة الحالية والتي يعمل الاحتلال الإسرائيلي وحكومته على فرض حقيقة ثابته آمنت بها الحركة الصهيونية منذ نشأتها أن الأرض لا يمكن قسمتها على شعبين. 

 شملت السنوات الأربع الماضية منذ قدوم الإدارة الامريكية الحالية وضوحا في رؤية الصراع،  فقد ألغت هذه الإدارة مشروع حل الدولتين وهو ما كان خاتمة لما يسمى بـ"مسيرة عملية السلام" وإعلان فشلها، واتجهت هذه الإدارة نحو ما يعرف بالحلول أحادية الجانب أو فرض الأمر الواقع، فدعمت  هذه الإدارة التي يقودها ترامب قرار ضم القدس، كما وافقت على ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية لدولة الكيان بما فيها منطقة الأغوار التي تشكل 22% من مساحة الضفة، كما أعلنت عن "صفقة القرن" وهو المشروع الذي يحمل تطبيع العلاقات بين الدول العربية ودولة الكيان الصهيوني بدون موافقة الفلسطينيين أو الحديث عن حقوق سياسية لهم. 

بدأت موجة التطبيع الحالية بمسارات سرية تم تسريبها للإعلام بزيارات رئيس الموساد للسعودية، ومن ثم ما تبعه من عقد مؤتمر البحرين، تلاه الإعلان الإماراتي عن تطبيع العلاقات، وإقامة كنيس يهودي وزيارات صحفيين لوسائل إعلام عبرية لأكثر من عاصمة خليجية، بقي هذا المسار السري لا يخدم نتنياهو الذي يسعى لشرعنة دولة الكيان في المنطقة العربية. 

  أهمية تعطيل المسار ومواجهته

إن حالة الانكشاف السياسي الذي تعانيه القضية الفلسطينية في عمقها العربي يحتم على الفلسطينيين الاعتماد بشكل كلي على ذواتهم، ومع حالة الصراع التي تعيشها المنطقة العربية خلال ال 10 سنوات الماضية وما تبعه من انهيار عدد من الدول العربية، بقي محور الاعتدال العربي هو البعيد عن صراعات التحول في المنطقة العربية، وهو الذي أصبح يحدد أجندة المنطقة العربية ويقودها، وهذا التيار يضم دولا تملك علاقات مع دولة الكيان أما الجزء الأخر فهو اكتفى بالعلاقات السرية، وأصبح مطلوبا منه الخروج بتلك العلاقات للعلن. 

 إن تعطيل المسار الذي يسير فيه محور الاعتدال العربي لم يعد مطلبا حمساويا، وإنما مطلبا فلسطينيا وفتحاويا، فالأحلام الوطنية التي حملتها فكرة الثورة الفلسطينية وانطلاقة حركة فتح يحاول هذا المحور تجاوزها وإجبار الفلسطينيين على القبول بالأمر الواقع. 

إن مسار  الرفض الفلسطيني الجمعي الذي  عطل مسار "الضم" يمكن البناء عليه فلسطينيا للولوج نحو ألية محددة في كيفية تحقيق الأهداف الوطنية، فرفض مسار الأمر الواقع الذي يحاول نتنياهو من خلاله تحويل الفلسطينيين لمشكلة سكانية يتم إدارتها عبارة إدارة مدنية او إدارة حكم ذاتي مطلب فلسطيني مشترك ، إن محاولة  القضاء على الهوية السياسية للقضية الفلسطينية وتحويلها لقضية سكانية وحقوق مدنية وحق إدارة ذاتية هو نفي للوجود الفلسطيني والرواية الفلسطينية التي جابت العالم والتي صنعت النضال الفلسطيني والمقاومة العابرة للحدود من خارج فلسطين والمقاومة داخل حدود فلسطين. 

حماس مقاومة واغراءات 

تميزت حركة المقاومة الإسلامية حماس بموقفها في هذه المرحلة، والذي ركز على إدارة المرحلة وفق رؤية المواجهة، والاتفاق على تصليب موقف قيادة السلطة وحركة فتح بالرفض، كما ذهبت حماس نحو القبول بأي طرح تقدمه فتح للمقاومة حتى بشكلها السلمي وهو ما ظهر في المؤتمر المشترك الذي عقده نائب رئيس حركة حماس الأستاذ " صالح العاروري" مع عضو اللجنة المركزية في حركة فتح وأمين سرها جبريل الرجوب، وذلك إدراكا من حركة حماس أن نتنياهو يحاول إيجاد طرف فلسطيني يقبل بالأمر الواقع وينتقل مع نتنياهو لمرحلة التطبيع في المنطقة. 

ارتكزت حماس في استراتيجيتها على نظرية السفينة التي يجب ألا تغرق، فقد كانت شريكة بموقفها السياسي، كما كانت مقاومتها العسكرية حاضرة برسائل ثقيلة من جناحها العسكري، الذي أجرى مناورة تحاكي واقع الحرب في موعد قرار الضم الذي أعلنه نتنياهو، وهي الرسالة التي أظهرت جدية الحركة بأنها ستكون حاضرة في كل الميادين. ثم جاء رفض العروض الأمريكية التي حملت للحركة ومعالجة مشاكل قطاع غزة لوحده وهو العرض المغري الذي تحدث عنه قائد الحركة الأستاذ إسماعيل هنية والذي وصل لحلحلت كل مشاكل القطاع مقابل ترك الضفة الغربية لقمة سائغة للاحتلال ومشاريعه وهو ما رفضته حماس. 

بعد فشل رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في شرعنة قرار الضم، والرفض الذي لاقاه القرار عالميا ودوليا، عادت أولوية تطبيع العلاقات للواجهة، والتطبيع هو المسار الأخير الذي تريده دولة الكيان لتتويج قوتها بعد سيطرتها على الأرض، لتكون القوة الأولى في الإقليم. 

مع تبدل أولويات نتنياهو ومحاولة مغادرته مربع الفشل في شرعنة الضم، يحاول نتنياهو كسر الحاضنة الشعبية للقضية الفلسطينية والتي تمثلت لفترة طويلة في الشعوب العربية، وهي الحاضنة التي كانت ومازالت داعمة بالمال والدعم الشعبي للشعب الفلسطيني، يسعى نتنياهو لإظهار الفلسطينيين أنهم وحدهم في المنطقة في مواجهة كيانه، ويستغل في ذلك أزمات المنطقة ودول مارقة تقوم بأدوار وظيفية مثل دولة الإمارات، إن محاولة شرعنة العلاقة مع دولة الكيان واعتبارها جسما طبيعيا يمكن القيام بعلاقات معه وتجاوز القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين في إقامة وطن لهم فوق أرضهم وعودة مقدساتهم والتي هي مقدسات لكل الأمة يعتبر سابقة سعى لها الاحتلال من خلال اتفاقيات سلام سابقة فشلت في كسر إرادة الشعوب العربية الرافضة للتطبيع. 

كما أن فصل القضية الفلسطينية عن مسار الاجماع العربي حول  الثوابت الفلسطينية يتطلب أولا كسر حالة العداء مع الكيان الصهيوني، وتتولى دولة مثل الإمارات دور "التيس المستعار" لتحليل بقية العلاقات وجعلها  قادمة في سياق طبيعي، و تلعب الإمارات الدور الإعلامي فيه والاستعراضي ليس لأهمية دولة الإمارات أو قدرتها على التأثير في المنطقة، ولكن تقوم بحاجة ملحة لدى نتنياهو الذي قاد مسارات سرية في بناء علاقات مع بعض الأنظمة لكنه لم يستطع أن يخرجها للعلن، واليوم دولة الإمارات تتولى إحداث الصدمة في الوعي العربي الشعبي الرافض لخطوة الإمارات والمجرّم لها. 

 وضعت خطوة الإمارات الموازية لقرار "الضم" الفلسطينيين أمام سياق من "المواجهة التي لا بد منها" وهذه المواجهة هي على أبوابهم وفي عقر دارهم وإن لم يكن فيها لهيب المعارك وأزيز الرصاص، وعليهم الاستعداد لها جيدا، ولذلك يحاول الاحتلال جاهدا فصل المسارات بين حركتي حماس وفتح رغبة منه في الاستفراد بالضفة، وهو ما أظهره العرض الأمريكي لغزة وعمليات اقتحام بيوت نواب حماس في الضفة وتهديدهم في حال التقارب مع فتح أو المشاركة في فعاليات ضد الضم أو التطبيع. 

إن مغادرة مرحلة التحفظ بين الحركتين يتطلب مواقف أكثر من الحاصل حاليا، فما يدور حول القضية الفلسطينية ومحاولة تصفيتها يتطلب رأيا جماعيا وموقفا موحدا واستثمار جميع الطاقات والإمكانات في الضفة وغزة، وهو يجعل الشكل القادم المطلوب والمأمول أن يكون برنامج موحد وقيادة جماعية تقود المرحلة ترسم السياسات وتخطط لمواجهة المرحلة الأخطر على الإطلاق في القضية الفلسطينية والتي تستهدف نفي الهوية الوطنية الفلسطينية أو أية حقوق للفلسطينيين في أرضهم وهذه الحقوق والهوية قاتلت من أجلها الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية عشرات السنوات ومازالت قابضة على الزناد.



عاجل

  • {{ n.title }}