بعد ٢٠ عامًا من انتفاضة الأقصى: وقفة محاسبة مع الذات

 تمر علينا الذكرى السنوية العشرون لاندلاع انتفاضة الأقصى، بعد زيارة شارون للمسجد الأقصى في 28/9/2000م، والتي كانت أحد أعنف محطات القضية الفلسطينية واستشهد فيها حوالي 5 آلاف فلسطيني وقتل أكثر من 1100 مستوطن وبلغ عدد الأسرى في نهايتها حوالي 11 ألف أسير.

  نريد اليوم تقييم الانتفاضة: ما الذي أنجزناه من خلالها وما هي العبر التي يجب استخلاصها.

 لا يوجد تاريخ متفق عليه لانتهاء الانتفاضة إلا أنه يمكن اعتبار شهر أيلول (9) عام 2005م نهايتها، بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة وانشغال الفلسطينيين بالانتخابات البلدية ثم انتخابات التشريعي.

  مسببات الانتفاضة:

    يمكن النظر لانتفاضة الأقصى على أنها استمرار للانتفاضة الأولى لكن بوسائل وظروف مختلفة، فالانتفاضة الأولى تميزت بطابعها الشعبي واستنزفت الاحتلال وحاول احتواءها من خلال اتفاقية أوسلو.

    أراد الاحتلال التخلص من عبء قطاع غزة كونها منطقة جغرافية صغيرة ذات كثافة سكانية عالية، فأعطت اتفاقية أوسلو السلطة تواجدًا أكبر في غزة، بينما نظر الاحتلال لأسباب استراتيجية وعسكرية وتاريخية ودينية إلى الضفة على أنها جزء لا يتجزأ من “الدولة اليهودية” لذا كان الانسحاب الصهيوني منها محدودًا.

    أوسلو كانت اتفاقية مرحلية يفترض أن تنتهي باتفاقية نهائية وإقامة دولة فلسطينية، إلا أن الاحتلال تملص وحاول ادخال السلطة في نفق مفاوضات لا تنتهي فدخلت مأزقًا وجوديًا مما أدى لفشل مفاوضات كامب ديفيد.

    وهنالك خلاف بين المؤرخين حول شرارة الانتفاضة، هل كانت مناورة تفاوضية من ياسر عرفات خرجت عن سيطرته لاحقًا أم كان هذا المسار مخططًا له مسبقًا، وأميل للرأي الأول حيث استخدم نفس الأسلوب لكن على نطاق أضيق في انتفاضة النفق والتي استمرت لثلاثة أيام أواخر أيلول عام 1996م قبل أن تقمعها السلطة بعد أن حققت نتائجها التفاوضية.

    مسار انتفاضة الأقصى:

    تميزت الانتفاضة في بدايتها بطابعها الشعبي وإفراط الاحتلال باستخدام القوة واستشهاد العشرات أسبوعيًا، وبدأت المسيرات والاحتجاجات عند نقاط التماس بالتراجع مع بداية عام 2001م إلا أن ما جدد انطلاقتها هي بدء العمليات الاستشهادية لكتائب القسام وبالأخص عملية سعيد الحوتري في 1/6/2001م.

    انطلقت من الضفة الغربية العمليات الاستشهادية الأكثر إيلامًا للاحتلال الصهيوني، ورغم أن القسام في غزة كان أكثر تنظيمًا وبدأ بتطوير قدرات جديدة مثل قذائف الهاون ثم صواريخ القسام، إلا أن تركيز الاحتلال كان على الضفة بسبب العمليات الاستشهادية التي استنزفته بشكل كبير وبلغت ذروتها في شهر شباط (2) عام 2002م.

    امتازت انتفاضة الأقصى عن الانتفاضة الأولى باستخدام أكثر كثافة للأسلحة النارية مما جعلها أقرب لحرب مصغرة، وذلك نتيجة عاملين:

    تراكم الخبرات لدى كتائب القسام الجناح العسكري لحماس ففي الانتفاضة الأولى بدأت من الصفر أما انتفاضة الأقصى فدخلتها وهي تملك خبرة لا بأس بها، والعامل الآخر هو حجم السلاح (بالأخص البنادق والمسدسات) الكبير الذي دخل مع قوات منظمة التحرير.

    إلا أن الظروف العربية لم تكن مواتية على الإطلاق، وخاصةً بعد أحداث 11 أيلول عام 2001م وانبطاح الأنظمة العربية للإرادة الأمريكية، واستغل الاحتلال ذلك لتنفيذ عملية اجتياح واسعة لمناطق السلطة في الضفة الغربية أو ما أطلق عليها “عملية السور الواقي” بين 29/3/2002م ونهاية تموز (7) من نفس العام.

    ورغم أن العمليات والمقاومة المسلحة استمرت بعد الاجتيحات إلا أنها كانت في تراجع، واستطاع الاحتلال تفكيك الخلايا المسلحة بشكل بطيء لكن ثابت، وفي المقابل ارتفعت وتيرة المقاومة وعملياتها في قطاع غزة وبدأت تستهدف المستوطنات والمعسكرات داخل قطاع غزة (على عكس مقاومة الضفة التي ركزت على العمليات في الداخل المحتل وبدرجة أقل على داخل الضفة).

    ما بعد وفاة عرفات:

    أصبحت السلطة الفلسطينية محاصرة مع خيارات قليلة بعد وفاة عرفات في 11/11/2004م، وجاء محمود عباس للرئاسة في بداية 2005م وهو مؤمن بأن المسار العسكري للانتفاضة كان خطأ، وحاول احتواء فصائل المقاومة منذ أن كان رئيسًا للوزراء عام 2003م وعقد عدة هدنات مؤقتة.

    جاء اغتيال أحمد ياسين ثم الرنتيسي وصولًا إلى وفاة عرفات لتعطي مؤشرات للاحتلال بأن الزخم العسكري للانتفاضة في الضفة بدأ بالتراجع بشكل كبير.

    قرر شارون الانسحاب من غزة، وكان في مخططه إلهاء الفلسطينيين بصراعات داخل قطاع غزة والتفرغ للسيطرة على الضفة الغربية، ومن هذه اللحظة بدأ مسار الأحداث في الضفة وغزة بالانفصال عن بعضهما البعض.

    في قطاع غزة تدحرجت الأحداث وصولًا لأحداث الانقسام عام 2007م أما في الضفة الغربية عمل الاحتلال على إعادة بناء أجهزة أمن السلطة بعقيدة جديدة، واستفاد الاحتلال من الهزيمة النفسية للفلسطينيين في الضفة بعد الاجتياحات والثمن الباهظ الذي انتهى بإعادة احتلال مناطق السلطة.

    وتركت هذه الهزيمة بصمتها إلى يومنا هذا ليس فقط بين عامة الناس بل أيضًا بين نشطاء المقاومة وأبناء التنظيمات، من شعور بعدم جدوى مقاومة الاحتلال وأن الظروف غير ملائمة والمخاوف من تكرار تجربة الاجتياحات، وهذا السبب الرئيسي في رأيي بفشل تطوير المقاومة في الضفة خلال السنوات الأخيرة.

    استمرت بقايا الخلايا المسلحة بعد عام 2005م لكن بوتيرة منخفضة ومتلاشية، حيث نفذت آخر عملية استشهادية في شهر شباط (2) عام 2008م في ديمونا، ويمكن اعتبار خلية الشهيد نشأت الكرمي (عام 2010م) آخر خلايا انتفاضة الأقصى.

    العبر التي استخلصها الاحتلال:

    1- لا يمكن الاستغناء عن السلطة ولهذا حرص الصهاينة على بقاء السلطة وعدم الانتقام منها خلال ذروة انتفاضة القدس (أواخر عام 2015م) ولهذا يبقون على شعرة معاوية معها رغم تدهور العلاقة بعد صفقة القرن.

    2- أصبح الاحتلال أكثر إدراكًا لأن التسويات السياسية لا تضمن له ما يريد لذا يسعى بشكل محموم لتغيير الوقائع على الأرض لأن الهدوء الحالي لن يبقى للأبد.

    3- توجه المجتمع الصهيوني نحو اليمين بشكل كبير، وتعزز نفوذ تيار “الصهيونية الدينية”، وانتهى اليسار الصهيوني.

    4- أدرك القادة الصهاينة الخطأ الذي ارتكبه شارون في الانسحاب من غزة، لذا يحرصون على حصار غزة وخنقها حتى لا تكون نموذجًا يغري الفلسطينيين بتكراره، ويحاول الاحتلال ترسيخ نموذج الضفة الغربية التي فشلت فيها المقاومة.

    الإنجازات:

    1- استطاعت انتفاضة الأقصى طرد الاحتلال من مستوطنات قطاع غزة وبعض مستوطنات جنين شمال الضفة الغربية.

    2- حافظت المقاومة المسلحة في قطاع غزة على بنيتها بل طورتها لاحقًا بشكل متسارع وهذا لم يكن لولا انتفاضة الأقصى، أما في الضفة الغربية فلم يتم تصفيتها فحسب بل خلق الاحتلال حالة نفسية شعبية لا تؤمن بجدوى المقاومة.

    3- أفشلت المقاومة محاولة تدجين الشعب الفلسطيني من خلال أوسلو ودفعه للقبول بانتهاء القضية الفلسطينية بشكل يخدم الاحتلال الصهيوني.

    العبر التي يجب الاستفادة منها:

    1- لم يكن هنالك تخطيط بعيد المدى فاستنزفت المقاومة قوتها وألقت بقضها وقضيضها في أتون العمل العسكري دون أي تخطيط لاستمراريتها على المدى البعيد، ولم يكن هنالك إدراك لخطورة تداعيات أحداث 11 أيلول، بحيث استطاع الاحتلال اخماد المقاومة المسلحة في الضفة رغم أن ذلك استغرقه ثلاثة أعوام تقريبًا.

    2- رغم شراسة المقاومة في الضفة الغربية إلا أن الاحتلال تمكن من الاستفراد بها والقضاء عليها، ولم تكن المقاومة في غزة بذلك الوقت قادرة (بشكل حقيقي) على التخفيف عن مقاومة الضفة، اليوم تغيرت المعادلة وأصبحت مقاومة غزة أكثر قدرة بكثير لذا أي مواجهة مستقبلية يجب التنسيق لإشعالها على أكثر من جبهة حتى لا يستفرد الاحتلال بأي منها.

    3- ما تحتاجه الضفة الغربية اليوم هو اقناع الناس بجدوى المقاومة، وهذا غير ممكن في ظل واقع عربي سيء وفي ظل سلطة فلسطينية ترفض المقاومة.

    4- بناءً على النقطة الأولى والثالثة أرى أن أنسب حل في الضفة الغربية اليوم هو إشعال مقاومة شعبية طويلة الأمد بالتوافق مع حركة فتح والسلطة، لا نريد حرق المراحل ونريد مقاومة متفقًا عليها داخليًا، سنحتاج بعض الوقت لاستعادة ثقة الناس لكن بعد ذلك يمكن الانطلاق بكل ثقة.

    5- يجب تركيز المقاومة داخل الضفة الغربية حتى نوصل الاحتلال لقناعة أنها عبء عليه وتكوين رأي عام صهيوني يطالب بالانسحاب منها، بدلًا من استنزاف المقاومة في عمليات بالداخل المحتل.

    6- العمل المقاوم المنظم والمؤطر هو شرط ضروري لتناقل الخبرات واستمرار المقاومة وتطويرها، بغض النظر عن الجهة التي تنظم العمل.



عاجل

  • {{ n.title }}