في القدس الاحتلال ماضٍ في مخططاته ومشاريعه ونحن نكثر من الشعارات

وتيرة المشاريع والمخططات الإسرائيلية الاستيطانية المترافقة مع سلسلة طويلة ولا منتهية من التشريعات والقوانين والقرارات العنصرية، التي تستهدف تغيير كل معالم المدينة التاريخية والأثرية وطمس هويتها وإخفاء حضارتها والسطو على تاريخها، وتزوير رواية الوجود العربي-الإسلامي فيها لصالح رواية تلمودية توراتية، تفتقر إلى المصداقية والتماسك وهي مستمرة ومتواصلة.

والحكومة اليمينية الإسرائيلية المتطرفة التي تضم المكونات الدينية والعلمانية من يمين مغرق في العنصرية والتطرف، توفر لها فرصة تاريخية لكي تزيد من “توحشها” و”تغولها” تجاه المقدسيين، بتولي الإدارة الأمريكية المتصهينة بقيادة المتطرف دونالد ترامب للحكم في أمريكا كانون ثاني/2017، تلك القيادة التي شاركت إلى جانب حكومة الاحتلال في العدوان المباشر على شعبنا، ولتصل البلطجة والوقاحة الأمريكية إلى حد نقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة موحدة لدولة الاحتلال، وتشريع الاستيطان في الضفة الغربية ضمن ما عرف بـ”صفقة القرن” الأمريكية، تلك الصفقة التي أرادت أن تشطب قضيتنا بشكل نهائي وتصفّي مرتكزات مشروعنا الوطني الأساسية: القدس واللاجئين.

وضمن هذه المشاريع التهويدية يأتي الشارع الأمريكي الذي يجري شقه جنوب شرق المدينة، وبما يعزل مدينة القدس بشكل نهائي عن القرى والبلدات والمدن الفلسطينية الواقعة جنوب المدينة على وجه الخصوص في صلب تلك المشاريع الإستراتيجية، وهناك مجموعة أهداف متوخاة  من شق هذا الشارع، يقف في مقدمتها ربط المستوطنات الشرقية ووسط القسم الشرقي من المدينة بالمستوطنات في القدس الغربية، وبالداخل الفلسطيني غرباً وبغور الأردن شرقًا، وضمن خطة الضم يوفر تحركًا لوجستيا ضمن حركة الطرق والقطارات الخفيفة والثقيلة بالقدس الكبرى حتى عام 2050، وفق الرؤية الإسرائيلية، وكذلك هذا الشارع بعد شقه واختصار المسافة والوقت سيعمل على  تسهيل تحرك المستوطنين وقوات جيش الاحتلال والشرطية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية في محيط القدس وأرجاء الضفة الغربية، إذ إن المسافة بين التجمع الاستيطاني في الجنوب (كفار عتصيون) بالكتلة الاستيطانية “معاليه أدوميم” شرق القدس يحتاج الوصول إليه اليوم نحو ساعة، وبعد شق هذا الشارع الالتفافي تصبح المسافة لا تتجاوز الـ 20 دقيقة فقط، ودون عوائق وفي خط مستقيم بين حاجزي (مزموريا) و(الزعيم) وليس هذا فقط، بل المتوقع عند فتح الشارع الأمريكي أن تنتقل 50٪ من حركة المواصلات على شارع القدس الخليل الحالي ومنطقة جنوب القدس إلى هذا الشارع، أي أن آلاف السيارات ستتنقل عبر هذا الشارع الالتفافي مما سيؤثر على البيئة بشكل ملحوظ خلال المرحلة المقبلة.

ومن الهام القول أن سلطات الاحتلال تعمدت عدم تنظيم كل المناطق التي يمر بها هذا الشارع الالتفافي، وذلك لخدمة المشاريع الاستيطانية، ولا ننسى الهدف المركزي لشق هذا الشارع، وهو تفتيت وفصل وتدمير أراضي قرى صور باهر وام ليسون وجبل المكبر على وجه التحديد، بحيث يحدّ من تطورها العمراني وتوسعها السكاني، وتحويل كل قرية منها إلى وحدات اجتماعية مستقلة، بحيث يصبح الهم الذاتي يطغى على الهم الوطني العام، وكذلك المستوطنات المقامة على أراضي هذه القرى او الواقعة بينها، تمنع تواصلها الجغرافي والديمغرافي. وليس هذا فقط، بل سيقام على أطراف هذا الشارع مداخل ومخارج للقرى الفلسطينية التي يمرّ منها هذا الشارع، بحيث يمكن السيطرة والتحكم في حركة السكان دخولًا وخروجًا، في حال حصول حدوث هبات شعبية أو احتجاجات شعبية ضد إجراءات وممارسات الاحتلال القمعية والانتقامية بحق السكان لأسباب وطنية أو دينية وغيرها.

بعد هذا المشروع التهويدي الضخم، وقفنا أمام مشروع تهويدي أخر لا يقل خطورة عن الشارع الأمريكي، حيث إقرار اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال ما يسمى بمشروع “وادي السيلكون”، والمطروح للتنفيذ خلال ثلاثة شهور وإنجازه خلال ثلاث سنوات، وهذا المشروع الذي يستولي على أرض خاصة في منطقة واد الجوز، يعني هدم  حوالي 200 منشأة تجارية وصناعية ذات ملكية خاصة وإقامة 900 غرفة فندقية على أنقاضها ومجمعات تجارية وصناعية حديثة “هاي تيك”  على أكثر من 250 ألف متر مربع، وبتكلفة مالية تصل الى 2.1 مليار شيكل، والمشروع يتضمن كذلك شق طرق وشوارع من الأراضي الفلسطينية، وكذلك تسيير للقطار الخفيف بما يريط البؤر الاستيطانية مع بعدها البعض، ويفتت وحدة البلدات والأحياء المقدسية الجغرافية وبما يعزلها عن بعضها البعض، وهو يهدف أيضا إلى ربط القسم الشرقي من المدينة مع قسمها الغربي، وبما يكرّس السيادة الإسرائيلية على المدينة.

هذا المشروع سيكون عامل جذب للسياح والحركة التجارية والاقتصادية، وبما يجعلها بديلا عن البلدة القديمة من أجل شلّها سياحيا واقتصاديا وتجاريا، وبما يخدم التهويد وسياسات التطهير العرقي.



عاجل

  • {{ n.title }}