النضال القضائي وأشكال النضال المختلفة

رغم المشهد الساخر والسخيف لمسرحية محاكمة بلفور وبطلها منيب المصري، إلا أنه لا يجب إنكار أهمية استخدام القضاء كأحد وسائل النضال ومقاومة الاحتلال.

في الحروب والصراعات يجب أخذ كل الوسائل بعين الاعتبار، وليس فقط القوة المسلحة كما يختزلها البعض، والرهان على واحدة فقط من هذه الوسائل هو الخطوة الأولى نحو الفشل وهذا المأخذ الأكبر على خطوة منيب المصري (إلى جانب مآخذ أخرى).

العمل المسلح والمقاطعة الاقتصادية والعمل الجماهيري والشعبي والسياسي والقضاء والمقاومة الديموغرافية والإعلام وغيرها كلها وسائل تعمل معًا لمقاومة الاحتلال.

وإذا كان بعض المهرجين يستخدم هذه الأدوات بشكل مسيء فلا يجوز أن نتعامل برد فعل متسرع، مثل من يرفض المقاومة المسلحة بسبب زعران السلاح وطخيخة الجنازات، أو رفض العمل الشعبي ردًا على مسيرات الورود والشموع، ونفس الشيء ينطبق على المقاومة القضائية.

في اعتقادي أنه يجب استغلال كل منبر قضائي للمطالبة بحقوقنا، دون تسليم بقرارات القضاء إن لم تكن لصالحنا، ومن الأمثلة على ذلك أن يتوجه كل لاجئ فلسطيني يحمل جنسية دولة غربية إلى قضاء تلك الدولة ويطالب بممتلكات عائلته التي نهبها الاحتلال بعد النكبة أو النكسة، في أسوأ الأحوال سيقول القضاء أنه ليس من اختصاصه.

أما نحن فسنكسب على الأقل الجانب الإعلامي لنوضح للعالم لماذا نرفض وجود هذا الكيان ولماذا يجب مقاطعته ومحاربته، وللأسف استغلال هذا الجانب شبه معدوم، وقبل فترة كانت هنالك قضية في كندا ضد شركة خمور صهيونية في مستوطنة بسجوت، رفعها فلسطينيون لهم أراضٍ منهوبة داخل حدود المستوطنة، ولا أعلم أين وصلت.

ومن أهم الأمثلة قرار محكمة لاهاي التي قضت بعدم قانونية جدار الفصل العنصري، صحيح أنه لم ينفذ وسبب ذلك أنه لم يتم استثمار القرار سياسيًا ولم تكن هنالك أدوات ضغط أخرى لتطبيقه، وهنا تبرز أهمية تكامل وسائل المقاومة.

ومن الضروري التأكيد على أن تنوع أساليب المقاومة ليس بدعة حديثة بل من بديهيات السياسة والمقاومة، واستذكر هنا ما قام به الأيوبيون والمماليك لمحاربة الصليبيين فلم يحاربوهم فقط في  ساحات المعارك، فقد نظموا المواسم الدينية (مثل النبي موسى والنبي صالح والنبي روبين) كوسيلة مقاومة شعبية ولإيصال الرسائل الإعلامية.

كما عملوا على مستوى المقاومة الديموغرافية عندما قاموا بإسكان قبائل وعشائر حاربت معهم في فلسطين لتعديل الميزان الديموغرافي وليوفروا الحماية لهذه الأرض، كما فعلوا في حي المغاربة، أو حي الشجاعية في غزة والذي أسسته عشائر كردية وتركمانية حاربت في صفوف الإيوبيين والمماليك، أو إسكان عشيرة الغزاونة في البيرة والأمثلة كثيرة.

ولو درسنا المناورات السياسية الداخلية والخارجية لصلاح الدين فسنجد تجربة غنية جديرة بالدراسة، فقد استطاع توحيد مصر والشام دون معارك تذكر وذلك من خلال العمل السياسي.

 لا يجب أن نستهين بأي وسيلة مقاومة تتوفر بين أيدينا، وأكبر جريمة يمكن أن نرتكبها أن نراهن على وسيلة واحدة فقط.



عاجل

  • {{ n.title }}