محمد أبوحديد.. زنازين عباس تزرعُ المرضَ في الأجساد وتَعجزُ عن قتل روحِ الإبداع

محمد أبو حديد ... أحد رجال المرحلة وفرسانها الذين يذوبون في صناعة فجر الأمة... أطهارٌ كقطر الندى... ومناراتٌ تهدي السالكين في دروب العتمة... حقّ لضفة العياش أن تحتفي بهم وأن تقرع لهم طبول الأعراس وأن تبارك على أرض الأنبياء بطولات شباب عزّ نظيره.
ولد محمد حسين أبو حديد في مدينة الخليل عام 1984، فنشأ وتربّى في أكناف أسرة متدينة وتعلق قلبه بالمساجد منذ نعومة أظفاره، ومنذ أن شبّ كان يحب أن يُكنّى بـ"أبي حذيفة" تيمناً بالصحابي الكريم حذيفة ابن اليمان.
حفظ القرآن في السجون اعتقلته قوات الاحتلال الصهيوني لأول مرة في العام 2004 وأمضى في سجونها 55 شهراً، وأفرج عنه في عام 2008. كانت التهمة الموجهة لمحمد هي تقديم المساعدة لـ"كتائب الشهيد عز الدين القسام"، إلا أنه نفى هذه التهمة بالرغم من خوضه التحقيق في المسكوبية وعمره 17 عاماً ولم يعترف بشيء.
كان محمد عند اعتقاله الأول في عُرف منظمات حقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة "طفلا"، لكن الاحتلال رأى فيه "عدواً"، فعاش بين رفاق دربه الأسرى "أخا" وفي عرف أبناء شعبه هو "المجاهد البطل".
كانت سنوات السجن مدرسة تتلمذ فيها محمد ليتخرج منها عالي الهمة، مثالي السلوك، فحفظ القرآن الكريم داخل سجون الاحتلال وثبّته وصار يقرأه بطلاقة وإتقان.
كان القرآن الكريم وحفظه وتعلم أحكامه أولوية محمد في سجنه، لكنه كان يرى في سنوات السجن الأربع فرصة مثالية للتعلم والقراءة والاستزادة، فأتمّ قراءة تفسير (في ظلال القرآن) للشهيد سيد قطب رحمه الله مرتين، وتأثر بأسلوب الشهيد الأدبي في تفسير القرآن.
ولأنه فهم حقيقة الإسلام كدينٍ ومنهجٍ ورسالة، تعلّق فارسنا بكتب الثقافة والتربية والتزكية، فصار مغرماً بالشيخ القرضاوي ومتأثراً بفكره، حيث قرأ ما يزيد عن 50 كتاباً من مؤلفات القرضاوي في كافة المواضيع.
أعادت قوات الاحتلال اعتقاله في العام 2009 لمدة عشرة شهور إدارياً وأفرج عنه عام 2010.                                                الأديب والشاعر
 وتأبى الفراسة الأدبية إلا أن تستفحل في كينونة فارسنا، فألهمه الله قول الشعر الذي لا لغو فيه ولا بطلان، متأسياً بشاعر الرسول الأكرم حسان بن ثابت رضي الله عنه.
ففي اعتقاله الأخير لدى أجهزة عباس، انكبّ محمد على كتابة الشعر في زنازين المخابرات، حيث كتب أكثر من سبعة قصائد شعرية منها: (شمس وبدر) لوالديه، (وحي العلا) يرثي فيها شهيدي القسام نشأت الكرمي ومأمون النتشة، (حبيبتي رنيدة) يواسي فيها خطيبته، (أقمار ثلاثة) يخاطب فيها شقيقاته إيمان وأم مالك وأم انس.
ولبلاغة تعبيره وفصاحة لسانه، اعتلى محمد منبر رسول الله صلى اله عليه وسلم، حاملا أمانة التبيلغ ورسالة الدعوة والإرشاد، وسرعان ما أصبح الخطيب المنبري المفوه والمرتجل، ومتكلم متمرس، من يسمع له يصمت من وقع كلماته الناري، تعرفه منابر مساجد الخليل وتحديداً مسجدي الأنصار وصلاح الدين.
صقل محمد إبداعه اللغوي والأدبي بالتحصيل العلمي، فالتحق بكلية الآداب في جامعة الخليل ليدرس آداب اللغة العربية.
                                                       عائلة مجاهدة
ولأن الابتلاء سنة ربانية لتمحيص عباده المؤمنين، عانت أسرة محمد أبو حديد من ممارسات الاحتلال وأذنابه، وقدمت في سبيل الوطن وحرية الشعب وكرامة الإنسان جهدا يحترم، فكانت بحق مضرب المثل.
فابن العائلة والشقيق الأكبر لمحمد هو إياد أبو حديد وهو قائد القسام الذي استشهد مع اثنين آخرين من قادة الكتائب في معركة وادي القاضي عام 1994.
اعتقل أشقاء محمد جميعاً لدى الاحتلال ولدى أجهزة أمن عباس، عاصم وجلال ومعتصم ووجيه، أربعة أقمار أخرى يطيب للشاعر أن يترنم بذكرهم في سجل هذه الأسرة المجاهدة.
قامت أجهزة عباس بسرقة كل أجهزة الحاسوب الموجودة في منزل محمد، واختطفت شقيقه وجيه وأفرجت عنه، ومن ثم اعتقلته قوات الاحتلال وهو الآن يقضى حكماً إدارياً في سجونها.
كل تلك الابتلاءات أضيفت لابتلاءات العائلة التي يعاني الوالد فيها من المرض، حيث أجريت له عملية في القلب في الولايات المتحدة الأمريكية، تمّ فيها تركيب جهاز يعمل ببطارية تُغيّر كل خمس سنوات.
                                                   شهامة في زنزانة
لكن قصة محمد بذاتها تحمل في طياتها كثيراً من صفحات الإنسانية، فهو خاطب من رنيدة أبو شرخ خريجة جامعة بوليتيكنك فلسطين، وهي الآن تخوض مشروعاً لحفظ القران الكريم تيمناً بخطيبها.
فعلى عهد الصحابيات وأزواج المجاهدين عاهدت رنيدة محمد على حفظ القرآن الكريم في أول لقاء لهما في سجن تحقيق أريحا.
كانت الزيارة الأولى مفعمة بالشوق والوفاء، ومرة أخرى كانت بطولة محمد وشهامته في الميزان أثقل من سلاح سجانيه.
لقد خير خطيبته بين الاستمرار على طريقه والبقاء على ذمته أو فضّ الخطبة بسبب اعتقاله، كان محمد يمتثل كل قيم الرجولة والشرف والوفاء، وكانت خطيبته بدورها تتحلى بأخلاق الصحابيات المجاهدات حين ردت عليه بالقول:" أنا معك إلى الأبد ولن يستطيع أحد أن يفصل بيننا إلا الموت".
                                                      أعداء الفرح
وللزواج في سيرة بطل قصتنا حكاية تدمي القلب وتبكي العين، فمحمد كان قد حدّد مع خطيبته موعداً للزواج ثلاث مرات، إلا أن الظروف كانت تقتضي التأجيل، وكان الموعد النهائي هو 20/9/2010.
لكن اعتقاله الأخير لدى مخابرات عباس حال دون إتمام العرس بالرغم من تحضير بطاقات الدعوة وتجهيز كل المستلزمات، وقد رفضت المخابرات إطلاق سراحه بحجة الحالة الأمنية.      
                                                       للحكاية بقية
وتعود أصول معاناة محمد أبو حديد مع قيود "أبناء الوطن" إلى حالة الحرب الطاحنة التي يشنها "الفلسطينيون الجدد" على كل ما له علاقة بالكرامة والوطنية في أرض احترف أبناؤها فن الصمود وارتدوا ثوب التضحية.
فقد اختطف محمد من قبل وقائي عباس في الخليل بعد عشرة شهور من الإفراج عنه من سجون الاحتلال في العام 2010، وأمضى رهن الحجز 26 يوماً، وأفرج عنه في 5 رمضان 2010 الماضي.
بعد 19 يوما من إطلاق سراحه، جاء دور مخابرات عباس لتختطفه في 24 رمضان أي في 2/9/2010 عقب عملية الخليل الأخيرة، والتي تبنتها "كتائب القسام" ونفّذها الشهيدان القساميان نشأت الكرمي ومأمون النتشة.
أمضى محمد في سجون مخابرات الخليل 40 يوماً في التحقيق خاض خلالها تحقيقاً هو و22 أخاً من إخوانه المختطفين، حيث كانت صعبة للغاية، تخلّلها الشبح والضرب والتعليق على الباب الحديدي والعلاقات، والوقوف في البرد وهو ما يُعرف بالشبح المتواصل في الساحة، والعينين معصبتين ولا تحلان إطلاقاً.
في تلك الفترة لم يكن يسمح لمحمد ولا لرفاقه بالصلاة ولا بتناول الطعام حيث استمر تغطية العينين لمدة 22 يوماً.
كما تعرض للشبح تحت برد المكيّف مع صب الماء على ظهر المجاهدين وهم مشبوحين.
كانت مخابرات عباس مثالا في القسوة، وصار تحقيقها مع أولئك الرجال عنوانا للإجرام، لقد أجبروهم على الوقوف على علب ربّ البندورة أو الفول وهم مربوطين للخلف ومشبوحين، إلى أن كان ينتهي الأمر بهم بالإغماء، وعندما كانوا يعطونهم قسطاً من الراحة استعدادا لجولة أخرى من التعذيب كانوا يتركونهم ينامون على الأرض دون غطاء أو فرشة، في العزل الانفرادي الطويل.
لم تنجح هذه الأساليب في سحب أي اعتراف من محمد وباقي إخوانه المختطفين، إلا أن الاعترافات التي جلبها جهازي الوقائي والمخابرات عن طريق التنسيق الأمني في 17/9/2010 كانت بداية لتحقيق أشدّ وأقسى، حيث كان التنسيق بين الشاباك الصهيوني وبين مخابرات عباس عن طريق ماجد فرج والعقيد طارق الشرباتي (أبو زياد) على أشدّه، عبر الهاتف أحياناً وعبر الانترنت والفاكس مباشرة، حيث كانت المعلومات يتم تبادلها فوراً، وتم تشكيل غرفة عمليات مشتركة بين الوقائي والمخابرات والشاباك الصهيوني، وكان مقر الغرفة في مستوطنة عصيون بالقرب من بيت لحم.
بعدها انتقلت الغرفة المشتركة لمتابعة مجريات التحقيق في عملية القسام الأخيرة إلى أريحا. وبتاريخ 13/10/2010 تم نقل محمد أبو حديد مع ثلة من إخوانه، وهم: عثمان القواسمة، ومعتصم النتشة، ومحمد الأطرش، وعيسى صالح، وحسام ناصر الدين، وعلاء الجعبة، وعلاء الجعبري، وعبد الله ادعيس، وأكرم شحادة، وأشرف عصفور، وأحمد أبو تركي وغيرهم تم نقلهم جميعاً إلى مركز تحقيق أريحا، ووُضِع كلّ مختطف في زنزانة انفرادية لوحده دون توفير أي من مستلزمات الحياة، دون ملابس أو إنارة أو تهوية مناسبة.
بعد مضي 75 يوماً في زنازين أريحا الانفرادية حيث الحر نهاراً والبرد القارس ليلاً (مساحة الزنزانة 2 م × 130 سم)، تم نقل محمد أبو حديد إلى مركز تحقيق رام الله، وأمضى هناك 39 يوماً في خزانة انفرادية (أقل من الزنزانة) مساحتها (العرض 70سم × الطول 2 م × الارتفاع 2 م) دون إنارة أو تهوية مناسبة.
بعدها تم إعادة أبو حديد إلى أريحا ليوضع مرة أخرى في زنزانة انفرادية لمدة أسبوع، حيث أمضى وكل من تم نقلهم من الخليل إلى أريحا 146 يوماً في الانفرادي والعزل.
أدى الشبح الطويل إلى إصابة اليد اليمنى لمحمد بعجز نسبته 75%، وهو يأخذ حقناً باستمرار لعلاجها، وقد قررت له الخدمات الطبية العسكرية أخيراً إجراء عملية جراحية لأنفه؛ حيث أصيب فيه بعد دفعه عن درج مقر المخابرات في رام الله.
ولكي تكتمل فصول التنسيق الأمني الخياني بين أجهزة عباس وقوات الاحتلال، هدّدت قوات الاحتلال عائلة محمد باعتقاله فور الإفراج عنه من سجون مخابرات عباس المتهم بتبادل المعلومات مع الاحتلال.
الحاج حسين أبو حديد والد محمد الذي لم يفقد الأمل برؤية نجله حراً يُزفّ يوم عرسه، قام بمحاولات عديدة للإفراج عن محمد من سجون أجهزة عباس، فنجح بتاريخ 7/11/2010 في استصدار قرار من محكمة العدل العليا في رام الله بالإفراج عنه، ولكن وإلى اليوم ترفض الأجهزة تطبيق ذلك القرار.
ومؤخرا قدمت أجهزة عباس محمد أبو حديد للمحاكمة العسكرية، حيث تم تأجيل محاكمته إلى الثامن من أيار مايو 2011، ووجهت له تهمة العمل على خرق الوحدة الوطنية، وتشكيل مليشيات عسكرية، ومناهضة سياسات السلطة.



عاجل

  • {{ n.title }}