حلفاء "إسرائيل" العرب.. بلا أوهام

تؤكد الحكومة الإسرائيلية الحالية باستمرار، أنها ليست في وارد إنجاز أي اتفاق سياسي مع الفلسطينيين. ليس ذلك خشية من انهيار الحكومة الائتلافية الحالية، غير المتجانسة أصلا والتي يترصد لها بنيامين نتنياهو، ولكن لأنّ لا أحد في "إسرائيل" في هذا الوارد أصلا. فأقطاب الحكومة الذين قد يصفهم البعض بأنهم أكثر اعتدالا من رئيسها "نفتالي بينيت"، لا يرون دولة فلسطينية على كامل الأراضي المحتلة في حزيران/ يونيو 1967.

بعد ذلك يمكن أن نضيف أنّ هذه الحكومة لا يمكن أن تخطو أي خطوة نحو الفلسطينيين، مهما كانت تافهة أو شكلية، باستثناء شراء الهدوء في الضفّة الغربية، مقابل "تحسينات اقتصادية" تضمن بقاء السلطة الفلسطينية واقفة على قدميها. إنها ليست حكومة اختراقات سياسية، وإنما (في واقع الأمر) حكومة تسيير أعمال اضطرارية، ألجأت إليها الرغبة العارمة في التخلص من بنيامين نتنياهو، وهو أمر يوافق هوى لدى الإدارة الأمريكية الحالية.

هل يجهل أحد من حلفاء "إسرائيل" العرب ذلك؟! وإن كان ثمة اعتراض على وصف علاقتهم بها بالتحالفية، فلنبق في الحدود الدنيا من توصيف هذه العلاقة بوصفها علاقة تطبيع، تدفع نحوها التحولات الإقليمية، التي تجد فيها بعض الدول العربية ظهرها مكشوفا، لما يبدو لها من توجس إزاء الأمان الأمريكي، وتقلبات السياسة الأمريكية بين إداراتها، أو سعيا منها (أي ذلك البعض العربي) لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي عبر البوابة الإسرائيلية، النافذة في عمق العالم، والأكثر دلالا وحظوة في هذا العالم!

إن كان ثمة اعتراض على وصف علاقتهم بها بالتحالفية، فلنبق في الحدود الدنيا من توصيف هذه العلاقة بوصفها علاقة تطبيع، تدفع نحوها التحولات الإقليمية، التي تجد فيها بعض الدول العربية ظهرها مكشوفا، لما يبدو لها من توجس إزاء الأمان الأمريكي، وتقلبات السياسة الأمريكية بين إداراتها، أو سعيا منها (أي ذلك البعض العربي) لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي عبر البوابة الإسرائيلية

الحقّ أنّه لا أوهام لدى هؤلاء العرب، أي أنهم لا يعتقدون أن اقترابهم من "إسرائيل" أكثر سيكون دافعا لها للتغيير في سياساتها تجاه القضية الفلسطينية. هذه كانت أوهاما قديمة بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وقد تبعتها موجة من الهرولة التطبيعية، ثم في مرحلة تالية أثناء انتفاضة الأقصى، في ما سمي بـ"المبادرة العربية"، وربما تجددت تصورات كهذه بعد الانقسام الفلسطيني و"مؤتمر أنابوليس" في الولايات المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2007، ثم مع إدارة أوباما. ولأنّ تجدّد هذه التصورات ضرب من الاختلال الإدراكي لدى أصحابها، فلن نعدم بعض التعبيرات المتأملة على حذر مع فوز ترامب، إلا أنّ ثمّة شيئا كان قابعا دائما في عمق الدوافع للتطبيع أو تقديم المبادرات خلال تلك السنوات، بما فيها السنوات العشر الأولى من عمر اتفاقية أوسلو.

ليس صحيحا أنّ الدوافع القديمة، في الاقتراب من "إسرائيل"، كانت خالصة في سبيل القضية الفلسطينية ومساهمة ناعمة في الصراع، وإنما كانت في بعضها سعيا لتحسين المواقع الجيوسياسية، في استثمار لحظة الدفع والحماسة، التي كانت في الذروة بعد توقيع اتفاقية أوسلو. فالغطاء جاهز، ويمكن التغطي به أكثر بتقديم الدعم المالي للفلسطينيين، وشيء من الخطابة السياسية والإعلامية والمواقف السياسية الروتينية، في الوقت نفسه الذي تُفتح فيه العواصم العربية للإسرائيليين، بينما جاءت المبادرة العربية لامتصاص الغضب الأمريكي بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. وأما أنابوليس، فهي امتداد لدوافع المبادرة العربية، لكن على أكتاف الانقسام الفلسطيني، وسهولة الاستثمار في ضرب حركة مقاومة فلسطينية ترفع يافطة إسلامية، أي حماس.

ليس صحيحا أنّ الدوافع القديمة، في الاقتراب من "إسرائيل"، كانت خالصة في سبيل القضية الفلسطينية ومساهمة ناعمة في الصراع، وإنما كانت في بعضها سعيا لتحسين المواقع الجيوسياسية، في استثمار لحظة الدفع والحماسة، التي كانت في الذروة بعد توقيع اتفاقية أوسلو

كانت الدوافع ذاتية لكلّ دولة بعينها، متعلقة بموقعها في الإقليم، وحساسياتها مع جاراتها، وعلاقاتها بالولايات المتحدة، وإمكانية الاحتماء بالتناقضات بإضافة العلاقة مع العامل الإسرائيلي. بمرور الوقت، صارت العلاقة بـ"إسرائيل" أكثر طبيعية. ولا شكّ أن سياسات السلطة الفلسطينية، المفيدة للإسرائيلي في تبريد الصراع وتجريده من أي مظهر صدامي، وفّرت المزيد من أسباب التطبيع النفسي، والتوثيق الخفي، وصولا إلى لحظة التحالف الكامل كما هو قائم الآن من البعض، سواء كان معلنا أم كان خفيّا.

وإذا كان الأمر كذلك، في شأن التطبيع الذي زامن اندفاعة مشروع التسوية، فإنه لا بدّ، وقد تجرد تماما الآن من أي دافع، يبحث عن مصلحة فلسطينية، أو يعوّل على أن تساهم العلاقات التطبيعية في تحسين المواقف الإسرائيلية، بل انتهى الأمر بالنسبة للبعض إلى تحالف كامل، معلن أو سرّيّ، بعلاقات دبلوماسية ظاهرة أو بدون. فلا معنى حينئذ لتذكير ذلك البعض بحقيقة المواقف الإسرائيلية، التي ازداد تعنّتها، وقد تجذرت على نحو لا يمكن فيه منح الفلسطينيين شيئا ذا بال، ما دامت موازين القوى القائمة على حالها. ومن المؤكد أن حلفاء "إسرائيل" العرب يعلمون تماما أنها، ولا أيا من حكوماتها، في وارد تقديم "تنازلات" جوهرية للفلسطينيين، وهو أمر (أي بقاء المأساة الفلسطينية على حالها) يسمح بتقديم المزيد من الأثمان من كيس هذه المأساة، تزلفا لـ"إسرائيل" أو للولايات المتحدة.

الأمر نفسه يمكن قوله عن القيادة الفلسطينية لمشروع التسوية، فهي أيضا اليوم بلا أوهام، متيقنة أنّ هذا المسار لن يصل إلى شيء، وأنه انتهى إلى تجميد السلطة على ما هي عليه، في إطار دور وظيفي يعتاش على الدعم الخارجي، وعلى التسهيلات الاقتصادية، الأمر الذي يكرسها هدفا لنخبتها المستفيدة. ومن ثمّ فالخطابات السياسية التي يرتفع سقفها في بعض الأحيان لا تعدو ضرورات التجمّل، وتعبئة الفراغ السياسي، والعبث بالخصوم السياسيين، الذين يفترض الآن أن يتجرّدوا هم من أوهامهم في فهم خصومهم!



عاجل

  • {{ n.title }}